عمرو خالد من داعية إلى مُدّعٍ

عمرو خالد من داعية إلى مُدّعٍ

تاج الدين عبدالحق

إلى وقت قريب، كان تفسير ظاهرة عمرو خالد يصطدم بحقائق من الصعب تجاوزها. فالرجل استطاع أن يستقطب جماهيرية ونجومية قلما تتاح لنظرائه، ونادرًا ما وصلت إليها الرموز التقليدية التي اشتغلت بالدين، هذا مع الأخذ بالاعتبار أن خالد لم تكن لديه المعرفة العلمية، أوالمواهب الخاصة، التي تؤهله لهذه المكانة، وتضعه في المرتبة التي وصل إليها من الشهرة بين الناس.

كانت المدرجات التي يلقي فيها ”خطبه الدينية “ تغص بالآلاف لا في مصر – حيث ولد ونشأ – فحسب، بل في العديد من الدول العربية، مشكلًا من ذلك،- فيما بعد- حضورًا تلفزيونيًا طاغيًا، حوله إلى نجم دائم على شاشات أبرز المحطات التلفزيونية، خاصة في المواسم الرمضانية.

كانت الظاهرة محيرة فعلًا، إذ إن هذه النجومية الطاغية ظلت نجومية ”شباك“ أو من باب أن ”الجمهور عايز كدة“، ولأن وكالات الإعلان تضعه ضمن أعلى التصنيفات.

لم يأخذه علماء الدين مأخذ الجد، وظلوا يعتبرونه دخيلًا ومهرجًا أكثر منه داعيةً وواعظًا، كانوا يصنفونه تحت بند ”الدعاة الجدد“ كتوصيف لفظي مستنبط من التعبير السياسي المعروف ”المحافظون الجدد“ الذي أطلق على السياسيين المتشددين الذين ارتبطوا بالخصوص بالإدارات الجمهورية المتعاقبة للبيت الأبيض.

على أن مصطلح ”الدعاة الجدد“ لم يكن تعبيرًا عن هوية علمية لهذه الفئة من الدعاة، بل تأكيدًا على أنه من توابع موجة التغريب التي تستهدف التصالح مع النموذج الغربي شكلًا ومضمونًا، والتلون بألوانها، كلما طلب ذلك وبالشكل والمكان الذي تُستدعى إليه.

وحتى الذين لم يعنهم المحتوى الذي يقدمه عمرو خالد، وتناولوا ظاهرته من ناحية سيسيولوجية، وجدوا أحاديثه نوعًا من التمثيل الأقرب للتهريج، وأن مضمونه ظل سطحيًا وتافهًا، ويعتمد على سرد قصصي مسلٍ أشبه بـ“الحواديت“ التي تنطلي على الأطفال وتساعدهم على النوم.

والذي مكن عمرو خالد، وآخرين من الشاكلة نفسها، أن نجوميتهم بزغت في ظلمة موجة التشدد والمغالاة التي كانت تؤرق الأوساط السياسية والفكرية والاجتماعية، بحيث وجدت تلك الأوساط في ظاهرة الدعاة الجدد بديلًا أو معادِلًا ممكنًا للتصدي لموجة التشدد والتطرف، وسبيلًا لمواجهة من حاولوا الاستفراد بالإعلام والسيطرة على القنوات الفضائية والمنابر بخطاب ظلامي محكوم برؤى ضيقة وتفاسير واجتهادات جامدة.

اليوم ينكشف الغطاء عن الجميع، ويقفون أمام عدالة النقد، وميزان المحاسبة، الذي يُعري خطاب المغالاة الظلامي المتشدد، بعد أن أغرق الأمة في حروب طائفية ومذهبية، ويكشف سوءة عمرو خالد وأمثاله ممن حاولوا السيطرة على عقول وقلوب شرائح عديدة من عبدة النجوم، الذين يُفتنون بالظاهرة، باعتبارها موضة، دون أن يعنيهم من قريب أو بعيد المحتوى حتى لو كان سخيفًا أو مختلقًا.

سقطة عمرو خالد الذي جعل من نفسه أرجوزًا يعلن عن دجاج مرة، وعن عطور مرة أخرى، كشفت عن مُدعٍ لا داعية، وعن تاجر لا واعظ، وفتحت ملفًا عامرًا بالهفوات التي أظهرت أن هذا كان ديدنه طوال حياته، وأنه تمكن من تحقيق شهرة لم يكن يستحقها يومًا، وخدعَ بالتمثيل والتهريج الكثير من الناس قبل أن تكشفه السقطات المتتالية، وأشهرها تلك التي وقف فيها أمام الحرم المكي وهو يدعو بخشوع مفتعل وبكاء كاذب لمتابعيه على صفحات التواصل الاجتماعي ليتبين على الملأ حجم الرجل. ونوعية الثقافة التي يبشر بها، والهدف الذي يسعى إليه .

عمرو خالد وغيره ممن استهانوا بعقول الناس، وحاولوا استمالة قلوبهم بخطاب سطحي فارغ، هم المشعوذون الجدد الذين لا يختلفون عن المشعوذين التقليديين إلا بالوسائل، فيما الهدف الأسمى لهم التجارة والشطارة ولو على حساب عقول الناس وجيوبهم، وحتى معتقداتهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com