بين دونالد ترامب ورونالد ريجان

بين دونالد ترامب ورونالد ريجان

المصدر: تاج الدين عبد الحق

إذا نجحت إستراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، فإننا قد نكون أمام نسخة جديدة من الرئيس الأسبق رونالد ريجان. فكلاهما دخل البيت الأبيض وهو مثقل بتاريخ شخصي، لا ينبّئ بحصافة سياسية، تؤثر في مجمل علاقات الولايات المتحدة بمحيطها الخارجي وعلاقاتها الدولية.

دونالد ترامب الذي اشتهر باستثماراته العقارية وعلاقاته الغرامية، ونجوميته التلفزيونية، يعيد بعد قراره الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، كتابة التاريخ، بأسلوب رونالد ريجان الممثل الهوليوودي الفاشل الذي أطلق مبادرة الدفاع الإستراتيجية التي عرفت بحرب النجوم، والتي تتيح للولايات المتحدة حماية نفسها من أي هجوم نووي سوفيتي دون أن تخاطر بوجودها وفق الخيار الدفاعي المطروح في ذلك الوقت وهو التدمير المتبادل.

تلك المبادرة هي التي أجبرت الاتحاد السوفيتي السابق على القبول بخفض ترسانته النووية؛ وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى انهياره بعدما  لم يعد يقوى اقتصاديًا ولا سياسيًا، على مجاراة الولايات المتحدة، وامتلاك تقنية الحرب الفضائية، ليجد نفسه مضطرًا -في النهاية- لا للتخلي عن بعض سياسات الحرب الباردة فحسب، بل عن الأيديولوجيا الشيوعية ذاتها.

ومع الفارق في الحجم، والوسائل، فإن سياسة ترامب تجاه إيران لا تستهدف -فيما يبدو- البرنامج النووي الإيراني، بقدر ما ترمي إلى تقويض النظام الإيراني برمته، وتحجيم دوره العسكري في المنطقة.

ترامب في إعلانه الانسحاب من الاتفاق النووي، يفتح الباب أمام حزمة غير مسبوقة من العقوبات والقيود على إيران. وإذا ما أخذنا المناخ الذي يتم فيه تطبيق هذه العقوبات سندرك على الفور أن قرار ترامب يتجاوز الملف النووي، وقد يكون مدخلًا إلى تغيير كامل في قواعد اللعبة في المنطقة ككل.

انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية لا يلغيها أتوماتيكيًا، فهي طرف واحد من بين مجموعة دول موقعة عليها، وبذلك فإنها تجبر إيران بشكل غير مباشر، على التمسك بالاتفاقية حتى لو لم تلتزم واشنطن بتنفيذ الالتزامات الأمريكية الواردة فيها. معنى ذلك أن واشنطن ستكون حرة في تجديد العقوبات وفرض أخرى جديدة على إيران، ولن تخشىى من تخلي إيران عن التزامها وفق الاتفاقية وأهمها وقف تخصيب اليورانيوم.

إيران لا تستطيع في هذه المرحلة الرد على القرار الأمريكي؛ لأن من شأن ذلك، تجريدها من الدعم الأوروبي الذي انتقد انسحاب أمريكا من الاتفاقية وأعلن تمسك الدول الأوروبية بها.

إيران تجد نفسها محاصرة بالعقوبات الأمريكية من جديد، ومحاصرة -أيضًا- بالالتزامات الواردة في اتفاقية لا تستطيع الانسحاب منها على الفور، وبالتالي لا هي مستفيدة من الاتفاقية التي كانت تعوّل عليها للخروج من أزماتها الاقتصادية والأمنية، ولا هي قادرة على مواجهة القرار الأمريكي والرد عليه.

من جانب آخر، فإن أوروبا لن تكون مظلة كافية تقي إيران من العقوبات، حتى لو لم تنصع إلى تطبيق العقوبات الأمريكية القديمة والجديدة منها. فتأثير أوروبا لن يكون كافيًا لتجنيب إيران الآثار المؤلمة للعقوبات، خاصة وأنها تأتي في ظل تورطها في نزاعات في المنطقة تكلفها جزءًا لا بأس به من مواردها المالية، وفي وقت يواجه فيه النظام الإيراني حركة احتجاجات داخلية متنامية.

الدول الأوروبية التي تنتصر قانونيًا للموقف الإيراني من الاتفاقية، تتخذ سياسات مختلفة سواء تجاه الدور الإيراني في المنطقة، أو في مواجهة حركة الاحتجاجات الداخلية، وبالتالي فإن أوروبا قد تتحفظ كثيرًا في التعاون مع إيران لمواجهة الضغوط الأمريكية؛ لأن مثل هذا التعاون قد يفسر بأنه دعم لسياسات إيران العدوانية خاصة في سوريا التي تقف فيها أوروبا موقفًا ناقدًا للدعم الإيراني للرئيس بشار الأسد، فضلًا عن رفض أوروبا لسياسات طهران الداخلية من قمع الأقليات، إلى حقوق الإنسان التي تبشّر بها القارة العجوز.

إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية، في موقف لا تحسد عليه ، فتمسكها بالاتفاقية ورفضها إعادة التفاوض بشأنها وعدم القبول بأي تعديلات عليها، يرتب عليها  استحقاقات لا تقوى على دفعها. فهي كمن “يبلع الموس”، فلا هي قادرة على الانسحاب من الاتفاقية خوفًا من أن تفقد دعم الدول الأخرى الموقعة عليها، ولا هي قادرة على الصمود طويلًا في وجه عقوبات توعد الرئيس ترامب بأنها ستكون الأقسى منذ بدء المواجهة بين البلدين قبل أربعين عامًا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع