السفيرة الأمريكية في الأردن تفتتح ”أوكازيون“ التوطين

السفيرة الأمريكية في الأردن تفتتح ”أوكازيون“ التوطين

يوسف ضمرة

فجأة تخرج السفيرة الأمريكية في الأردن، لتحدد لنا عدد الأردنيين ونسبتهم إلى بقية السكان. وتضيف إحصاء خطيرا يقول إن نصف اللاجئين الفلسطينيين في العالم، موجود في الأردن، وإن نسبة السكان الأردنيين لا تصل إلى النصف! وبالطبع، فإن هذه الإحصاءات لا تتوافر فيها دقة أو مصداقية، لأنها مجرد أرقام تُرمى في الهواء لتمرير مشاريع لم تعد سرية أو غامضة.

السفيرة الأمريكية هنا، تشبه الحاوي صاحب الجيوب المنتفخة، والتي يُخفي فيها مناديل ملونة وأرانب وفئران وطيور. يُدهش مشاهديه ويلقي بهم في دائرة رخوة، يسهل فيها خلط الحواس وتركيبها بشكل مغاير للمألوف والطبيعي. هذه هي الطريقة الوحيدة للسيطرة على العقل أو تغييبه إلى حين، ليكون مهيأ لتقبل أفكار جديدة قد لا يتقبلها في الأحوال العادية.

ليس سرا أن الإسرائيليين والأمريكيين وبعض العرب، يعملون منذ عقود على تصفية القضية الفلسطينية. وليس سرا أيضا أن تصفية كهذه لن يُكتب لها النجاح، ما لم تُحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ومحو موضوع حق العودة، لئلا يظل قيد التداول جيلا بعد جيل.

كانت أوسلو محطة مهمة في هذا السياق، فهي التي منحت الكيان الصهيوني حقا مكتسبا في اغتصاب فلسطين، ليصبح الجزء الأكبر من فلسطين دولة إسرائيل، وباعتراف وإقرار فلسطينيين وعربيين.

تمثلت الخطوة التالية في حل المشكلات العالقة ـ نلاحظ هنا كيف تم اختزال القضية الفلسطينية إلى مشكلات وقضايا يجري التفاوض حولها ـ ومنها المياه والمستعمرات والحدود وما إلى ذلك. حتى في غزة مؤخرا، كانت الشروط الفلسطينية مطالب حياتية لا وطنية جوهرية تتعلق بالقضية نفسها. فهنالك منطقة الصيد في البحر والميناء والمطار وإدخال مواد البناء وما إلى ذلك.

تصريح السفيرة الأمريكية ليس منبتّا، وليس معزولا عن ما يجري في المنطقة. وقد سبق وأشرنا إلى الأهداف النهائية من وراء هذا الدعم الأمريكي والغربي للربيع العربي، وكانت القضية الفلسطينية ـ عش الدبابير ـ على رأس هذه الأهداف بالطبع.

هنالك متغيرات إقليمية تجري ويجري تعديلها خطوة خطوة وفق السياق المرسوم، لئلا تخرج عن السكة فينقلب القطار. سيتم ترحيل فلسطينيي لبنان وسوريا آجلا أو عاجلا. ولم يكن عرض إياد علاوي على أمريكا وإسرائيل بتوطين الفلسطينيين في الأنبار مجرد مزحة عابرة، فهو يدرك أن شرق الأردن هو المكان المهيأ لاستقبال هؤلاء الفلسطينيين من سوريا ولبنان والعراق ومناطق أخرى. لقد قالها زعماء إسرائيل كلهم: الدولة الفلسطينية هي شرق نهر الأردن. فهل كان تصريح السفيرة الأمريكية اختبارا لردود فعل الأردنيين والفلسطينيين؟

إذا كان ذلك كذلك، فإننا نطمئنها تماما، وهي العارفة بشؤون المنطقة، والتغيرات المتلاحقة التي تطالها. فهذه الفوضى“الخلاقة“ التي رسم معالمها المحافظون الجدد، تتعين وتتشكل وتأخذ مساراتها بدقة. لقد أصبح لدينا في العالم العربي أعداء حقيقيون غير إسرائيل. وهم ليسوا غرباء أو قادمين من وراء البحار، بل هم القادمون من بطون التاريخ العربي. وعليه راح العالم العربي يتشكل وفق إملاءات التاريخ العفنة، التي تم إيقاظها تحت ذرائع كالديمقراطية والحرية في بادئ الأمر.

لم تعد فلسطين قضية العرب الأولى، فقد أزاحتها موقعة“الجمل“ و“صفين“ عن خرائطنا. استيقظ عبد الله بن الزبير وطلحة والمختار الثقفي ويزيد. والسفيرة الأمريكية تدرك ذلك. فهنالك الآن ملايين اللاجئين العراقيين والسوريين والليبيين. ما يعني أن قضية اللاجئين لم تعد حكرا على الفلسطينيين، وأن توطينهم ووضع حد لمعاناتهم الممتدة قرابة 70 عاما، ستجد لها مروجين عربا وفلسطينيين، وداعمين آخرين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com