التصعيد مفتاح الفرج

التصعيد مفتاح الفرج

لا حسمَ عسكريًا، ولا حلَّ سياسيًا، دون مشاركة الولايات المتحدة، وموافقتها. هذه هي خلاصة الرسالة التي يمكن استنتاجها من العملية العسكرية الغربية الثلاثية في سوريا. وهي -أيضًا- نوع من الاستجابة المتأخرة، أو الرد العملي على الذين قالوا إن “الدور الأمريكي في سوريا ينكفئ ويتراجع، وإن واشنطن تغادر ميدانيًا، وتفقد اهتمامها بالأزمة السورية عسكريًا وسياسيًا” .

ففي المقياس العسكري المجرد، لم تغيّر الضربة الأمريكية شيئًا، في المعادلة الميدانية التي مالت أخيرًا لصالح الرئيس السوري وحلفائه الإقليميين والدوليين، ولم تكن النتائج التي تحققت من العملية العسكرية متناسبة مع لغة التهديد والوعيد التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب قبيل العملية بساعات.

كما أن العملية بحجمها، وعدد الدول المشاركة فيها لم تكن موجهة لنظام الرئيس بشار الأسد، بقدر ما كانت موجهة للانفراد الروسي بالساحة السورية سواء على الصعيد العسكري، أو على صعيد الوساطات الداخلية التي فتحت لموسكو أبواب علاقات متشعبة مع قوى إقليمية، وتنظيمات كانت محسوبة على واشنطن، أو مع قوى إقليمية كان يفترض أن تتقاطع مواقفها مع الموقف الأمريكي .

وإذا كانت الهجمات الكيماوية في دوما، هي الذريعة التي بررت بها واشنطن الضربة الصاروخية، فإن ارتدادات هذه العملية، أظهرت أن الإدارة الأمريكية، لم تكن تتحرك لمعالجة حالة فردية محدودة، أو وضع طارئ، ولا لمواجهة موقف غير متوقع وغير معروف، بل كانت العملية محسوبة تخطيطًا، وتنفيذًا، وكان هدفها الواضح هو استعادة واشنطن وحلفائها دورهم، ومكانهم في الأزمة من جهة، وفرملة الدور الروسي المتنامي في سوريا من جهة ثانية.

واشنطن أرادت –من خلال العملية– إيقاف مساعي موسكو لاستثمار الإنجازات العسكرية، وخاصة الأخيرة في الغوطة الشرقية وغيرها، ومنع تطوير تلك الإنجازات، إلى نجاحات عسكرية في مناطق أخرى مثل: أدلب وجنوب سوريا، وصولًا إلى فرض تسوية غير متكافئة، خارج ما هو متوافق عليه دوليًا، وبما يتعارض مع مصالح حلفاء أمريكا في المنطقة.

المقاربة الغربية الجديدة، والأمريكية تحديدًا تحسم التردد الذي أبدته إدارة الرئيس ترامب بشأن الأزمة السورية، والذي وصل في مرحلة من المراحل، حد الإعلان عن النية للانسحاب من سوريا.

فقد جددت الضربة الصاروخية الالتزام الأمريكي تجاه الأزمة السورية، بعد أن كان ابتعد عن العديد من التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها الأزمة؛ وهو ما خلق حالة من البلبلة والإحباط، لدى العديد من أطراف الأزمة التي كانت تراهن على الدعم الأمريكي، وتستقوي به، وهو ما انعكس– فيما بعد– على مكانة قوى المعارضة المعتدلة من جهة وعلى وحدة مواقفها من جهة ثانية .

ولعلّ مسارعة أمريكا وبريطانيا وفرنسا لطرح مشروع قرار في مجلس الأمن، بعد الضربة الصاروخية الغربية، يمثل تأكيدًا على أن أهداف الضربة لم تكن معاقبة النظام السوري، بل استعادة الدول الغربية مكانها في جهود معالجة الأزمة السورية، لضمان منع موسكو وحلفائها من الحصول على أي مزايا سياسية تفضيلية، وصولًا إلى تسوية متكافئة قائمة على العودة إلى ما تمّ التوافق عليه في مؤتمر جنيف الخاص بسوريا، وما توصل إليه الفرقاء بشأن الانتقال الدستوري للسلطة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة ومعبرة عن آماني السوريين وتطلعاتهم .

وعلى خلاف ما يراه الكثيرون، فإن الضربة الصاروخية بالرغم مما خلقته من أجواء تصعيدية خاصة بين الولايات المتحدة وروسيا، فإنها ربما تكون مفتاح فرج للأزمة السورية، ومخرج حل لها، خاصة وأن ردة الفعل الروسية –الهادئة نسبيًا — على تلك الضربة، جاءت بمثابة إقرار ضمني بالدور الأمريكي، وتأكيد على استعدادها للقبول مجددًا بمبدأ الشراكة معها في أي تسوية سياسية مقبلة .

الضربة الصاروخية لم تحقق نتائج عسكرية تذكر، لكنها أعادت الزخم للجهد الدولي لحل الأزمة، بعد أن أخذتها روسيا في مسارات خاصة تخدم مصالحها في سوريا وأجندتها في عموم المنطقة، بدءًا من اجتماعات الأستانا في كازاخستان مرورًا بسوتشي وانتهاءً بإسطنبول .

ومشروع القرار الذي قدمته فرنسا لمجلس الأمن يعيد الأزمة إلى إطارها الدولي، ويطلق مناقشة واسعة لأبعادها كافة، ويفتح المجال أمام مقاربات أخرى لحلها، تكون مختلفة عن كل المحاولات السابقة التي فشلت في معالجة الأزمة، واحتواء آثارها الإقليمية والدولية، هذا فضلًا عن معالجة ما خلفته من تداعيات ومشكلات إنسانية سواء في سوريا أو في دول الجوار .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎