ماذا وراء معركة الغوطة ؟

ماذا وراء معركة الغوطة ؟
Smoke from an air raid rises in the besieged town of Douma, Eastern Ghouta, Damascus, Syria February 23, 2018. REUTERS/Bassam Khabieh

المصدر: تاج الدين عبد الحق

يخطئ من يظن أن العمليات الجارية في الغوطة الشرقية قرب دمشق، هي  حرب النظام السوري على معارضيه. فالنظام فقد قدرة المبادرة منذ زمن، وبات قرار أي هدنة ميدانية أو تحرك عسكري بيد اللاعبين الآخرين، الإقليميين والدوليين، الذين تقاسموا الأدوار وحددوا الأولويات.

دور النظام بعد كل ما جرى، ويجري، هو دور وظيفي لا سياسي. يتقدم أو يتأخر حسب ما هو مرسوم  له ، وفق إستراتيجية محددة ،  لا يتعداها ولا يتجاوزها،  وذلك منذ أن أصبح استقواؤه، بالخارج الإقليمي، وإعتماده على المظلة الدولية، ضمانة لبقائه، وسببًا في استمراره.

وحتى لو كان للنظام تأثير فعليّ فيما يجري في نقاط التّماس، فإن دوره في أفضل الحالات لا يتعدى دور  طرف  من أطراف الأزمة  السورية، سواء تلك المنخرطة في القتال، أوالأخرى  المشاركة في المفاوضات، وهو دور، لا يعبّر، في كل الأحوال، عن إرادة النظام، بقدر ما يعبّر عن إرادة حلفائه من  اللاعبين الكبار، ,وبما يعكس توافقاتهم أو خلافاتهم  .

 وقبل أن يتصاعد الموقف في الغوطة، كنّا نقول إن من يحسم معركة حلب يحسم المواجهة في سوريا كلّها،  وأنه هو من سيقطف ثمارها السياسية. لكن تبين أن معركة حلب على أهميتها، وفداحة الخسائر التي لحقت بالبشر والحجر فيها ، لم تكن إلا معركة من المعارك العديدة التي شهدتها الحرب السورية، وأن الانفراج السياسي النسبي، الذي تلاها، إن في العاصمة الكازاخستانية الأستانة، أو في جنيف، أو سوتشي ، لم يكن أكثر من استراحة مؤقتة للمحاربين، بعد أن تبين أن  ما تحقق ميدانيًا،  لم يكن كافيًا لتحقيق إنجازسياسي وازن، أو قطف نتائج فعلية معقولة.

بل إن الهدنة التي تلت معركة حلب، والتي توصلت إليها اجتماعات الأستانة، والتي اصطلح عليها بمناطق خفض التوتر، لم تكن قادرة على تأسيس حالة استقرار حقيقي تسمح بتحقيق اختراق سياسي. فقد أبقت تلك الهدنة صواعق تفجير عديدة في كل منطقة من مناطق خفض التوتر، وبدل أن تتحول هذه المناطق إلى مقدمات للحل السياسي، أصبحت أوراق ضغط سياسية تستخدمها الأطراف أنّى أرادت ، من خلال تفجير هنا أو مواجهة هناك.

وقبل الغوطة شهدنا شيئًا من هذا القبيل، عندما تقدمت القوات التركية، إلى بلدة عفرين السورية لقطع الطريق على ما قالت عنه تمددًا غير مقبول لقوات الحماية الكردية، كما شهدنا اختراقات في جبهة إدلب التي يفترض فيها أن تكون الملجأ الذي يؤوي المجموعات المسلحة في كل مرة يتم فيها فض اشتباكات المتقاتلين ، أو الفصل بين مناطق التّماس ومواقع الصدام .

اليوم يتجدد الأمر في الغوطة الشرقية المحاصرة منذ سنوات عديدة، والتي ظلت تشهد نوعًا من الهدوء النسبي، رغم قربها من دمشق، ورغم تهديدها المستمر لقاعدة النظام السياسية وعنوانه الأبرز في المواجهة مع قوى المعارضة.

تفجير الموقف في الغوطة على هذا النحو، يستهدف فيما يبدو، تحقيق إنجاز سياسي، لا الوصول إلى حسم عسكريً.

وأيًّا كان المبادر بالتفجير، فإنه بالنسبة لحلفاء  النظام شكل فرصة، لتعزيز الإنجازات العسكرية السابقة من جهة، ودفع المسار السياسي من جهة ثانية.

فحسب التفويض المعطى بموجب اتفاقات خفض التوتر، فإن حلفاء النظام  لديهم مجالًا لمواصلة قتال الفصائل المسلحة المصنفة كمجموعات إرهابية، ومنها بعض المجموعات المنتشرة في الغوطة . ولذلك فإن ردة الفعل العالمية إزاء ما تتعرض له مناطق الغوطة الشرقية ،  من عمليات قصف وتدمير،  ظلت باهتة نسبيا ، ولم  تتجاوز حدود الإدانه ، ولم ترقَ إلى حد  الضغط الفعلي ،  لإلزام  النظام  وحلفائه بالتوقف عن عملياتهم، بل إن هذه العمليات  فتحت باب الحديث عن هدنة لإخراج المسلحين من المنطقة، وهو ما يعني نوعًا من الاستثمار السياسي المبكر لمعركة الغوطة.

معركة الغوطة الشرقية معركة سياسية بأدوات عسكرية. ولا يبدو أن حلفاء النظام قادرين على حسمها عسكريًا– رغم تفوق آلتهم الحربية – لكن الإصرار على خوضها رغم الكلفة البشرية الباهضة، يدلّ على أنهم يعملون على تحقيق إنجاز سياسي مرحلي يُخرج المسلحين، من أكناف دمشق، وإنجاز سياسي أبعد يوصلهم إلى صيغة تسوية سياسية طويلة الأمد تضمن مصالحهم، وتحفظ لهم ما دفعوه سابقا  في المناطق الساخنة ألاخرى .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com