هل تتحرر الانتخابات اللبنانية القادمة من سطوة الخارج ؟

هل تتحرر الانتخابات اللبنانية القادمة من سطوة الخارج ؟

المصدر: تاج الدين عبد الحق

إلى وقت قريب كان لبنان مختَبرًا للعلاقات العربية العربية، أو العربية الإقليمية، وكانت الخلافات اللبنانية اللبنانية، تُختزل دائمًا بتوصيف واحد هو أنها صدىً لما يحدث في الإقليم وجزء من تداعيات وانعكاسات سياسات الآخرين وخلافاتهم في لبنان .

كان لبنان الحزبي والطائفي متعايشًا مع هذا التوصيف، راضيًا – حتى لا نقول سعيدًا – به.

وكانت عين الزعامات اللبنانية على الخارج، أكثر منها على الداخل، وكان الفشل أو النجاح في أي انتخابات رهنًا بإرادة القوى الخارجية لا إرادة القوى الشعبية التي تصنع زعامتهم أو التي تنتخبهم .

ومنذ الاستقلال في الأربعينيات، وحتى الآن عاش لبنان، على هذا المنوال، رغم تبدل الظروف وتغيّر الأحوال. وبفضل هذه الصيغة، ”القدرية ”، حافظ أعضاء في مجلس النواب على وجود مستمر تحت القبة، لم تنلَ منه الحادثات ولا الحوادث. ظل وجود كثيرين منهم في المشهد النيابي أقرب لـ ”المسلّمات السياسية“ التي لا تتبدل ولا تتغير، إلا لمقتضيات التوريث. وحتى إن حدثت اختراقات لهذه الصيغة الثابتة، فإنها تحدث وفق حسابات ومعادلات لا تلغي أحدًا، ولا تغير من القواعد الأساسية للعبة.

ترك الخارج الإقليمي للبنانيين حرية الاختيار من ”منيوسياسي “ معروف سلفًا ومن طبخات معدّة مسبقًا. و أصبحت الخلافات السياسية والحزبية اللبنانية تمثيلية مسلّية، وفُرجة يستقي منها الشارع اللبناني النوادر التي تعينه على تحمل الأزمات والتعايش معها.

اليوم يملك لبنان فرصة تاريخية للانعتاق من سطوة الخارج على الانتخابات البرلمانية.

فدول الإقليم التي كانت لها اليد الطولى في تحديد من يخوض الانتخابات، ومن يترشح للوزارة، يتراجع دورها في هذا الشأن، إما لأن لبنان لم يعد أولوية إقليمية، في ضوء ما يدور في المنطقة من أحداث وما تمر به أزمات، أو لأن القوى الفاعلة لم تعد تملك القدرة على ممارسة التأثير على الانتخابات أو توجيهها.

فسوريا التي كانت تمسك بزمام الحياة السياسية اللبنانية، غارقة في أزماتها الداخلية، ما أدى إلى تآكل دورها التقليدي الذي كانت تمارسه في لبنان، بحيث لم تعد تجد حليفًًا من حلفائها السابقين، وحتى إن وجدت؛ فإن التدخل بشكل سافر، لدعمهم لا يضمن نجاحهم، ولا يزيد حظوظهم في الفوز، خاصة في ضوء الموقف العدائي الذي يواجهه نظام بشار الأسد من قوى سياسية وشعبية عديدة في مختلف المناطق اللبنانية.

أما القوى الإقليمية التي كانت في العادة، تجد لصراعاتها متنفسًا في لبنان باتت لديها ساحات مواجهة أخرى أكثر سخونة، وأكثر أهمية. رأيْنا مثلًا انكفاء السعودية النسبي عن التأثير في المعركة الانتخابية، وفي تعدد مراكز الثقل المحسوبة على المملكة، ما يخلق صعوبة في التنبؤ بمن ستحمله الانتخابات منهم، إلى قبة البرلمان أو كرسي الحكومة.

ولعل انتخاب الرئيس ميشال عون لرئاسة لبنان، كان حاله حال الانتخابات النيابية مثلًا واضحًا على تآكل دور القوى الإقليمية في الحياة السياسية اللبنانية. فالرئيس عون جاء لسدة الحكم لا نتيجةً لتوافق إقليمي بل توافق داخلي، وكلمة السر التي كانت وراء اختياره كانت من أطراف داخلية لبنانية، ونتيجة توافق داخلي، في حين غابت الأطراف الخارجية التي كانت تملك القدرة على التعطيل والتأخير، وكانت المفاجأة الأخيرة في اختيار الرئيس من صنع أطراف حزبية محلية لم تكن بينها قواسم مشتركة، ولم يكن لها تاريخ معروف في ملف التحالفات الداخلية اللبنانية.

في المشهد الانتخابي النيابي الذي بدأت ملامحه بالتشكل، استعدادًا لخوض الانتخابات في مايو المقبل، هناك ما يشير إلى أن الانتخابات القادمة لن تكون سهلة ولا هينة، وستكون فيها اختراقات لكثير من الترتيبات الحزبية المسبقة، أو الموروثة.

ويعزز هذا الاحتمال، أن الناخب اللبناني ضاق ذرعًا بالصيغة التقليدية التي حكمت الانتخابات البرلمانية منذ الاستقلال وحتى الآن. وقد ظهرت مؤشرات على ذلك في تفاعل قطاعات الشباب مع الأزمات التي واجهها لبنان، والتي أدت إلى بروز حركات سياسية قائمة على التفاعل مع أزمات معيشية، أو استحقاقات حياتية. بل إن هذه الحركات جعلت من تغيير التركيبة النيابية الحالية هدفًا رئيسًا من أهدافها، ومحطة أولى من محطات عملها تجاه تغيير مسار الحياة السياسية والتركيبة الطائفية.

في المحصلة فإن القاعدة التي سيجري على أساسها اختيار نواب لبنان للدورة المقبلة تتوفر لها فرص حقيقية لظهور مجلس نيابي مختلف، خاصة أن الانتخابات هذه المرة تجري في ظل قانون انتخابي جديد، وتماسك معقول في الحياة السياسية اللبنانية فضلًا عن استقرار أمني نسبي طال انتظاره.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com