أزمة الأردن إلى أين ؟

أزمة الأردن إلى أين ؟

دفعة واحدة تنفجر الأزمات في وجه الأردن. أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، وأزمة سياسية وحكومية متفاقمة. وعلى عكس الأزمات التي كانت تواجهها المملكة في الماضي، يشكو الأردن الرسمي بأنه وهو يواجه هذه الأزمات، لا يجد – كما في مرات سابقة – حليفًا موثوقًا في الخارج، ولا ظهيرًا مستعدًا في الإقليم .

الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الأردن هي أزمة مزمنة، لكنه كان قادرًا على الخروج منها، أو احتوائها وتأجيل حلّها، مرة بفضل الدعم السخي من الأشقاء، أو النجدة السريعة من الأصدقاء.

على أن ما كان يصل الأردن من دعم متواصل، وهبات متتالية، لم يكن دعمًا ماليًا مجانيًا، أو مساعدة اقتصادية خالصة، إذ ظل البعد السياسي فيها واضحًا، ومحسوبًا. وكان ما يحصل عليه من مساعدات، هو في حقيقته، نوعًا من الاعتراف بالدور السياسي الذي ظلت المملكة تلعبه ببراعة في الإقليم، وثمنًا للاعتدال الذي طبع السياسة الأردنية منذ إنشاء إمارة شرق الأردن في بدايات القرن الماضي وحتى الآن .

اليوم يتبدل الأمر، فهناك من يرى أن دور الأردن لم يعد مطلوبًا، ولا ضروريًا. وأن الاعتدال الأردني طوال العقود الماضية، لم يعد بمقاييس هذه الأيام اعتدالًا، أو- على الأقل – لم يعد منسجمًا مع متطلبات المرحلة التي تمر بها المنطقة، ولامع عدد الطامحين الذين باتوا ينافسون الأردن، ويتجاوزون عليه باعتدالهم ويتبارون في تقديم خدمات مماثلة، بشكل أشمل،، وبفاعلية أكبر، وبكلف سياسية واقتصادية أقل.

الأردن الذي شكل دوره المعتدل مصدر دخله الأهم، ومصدر استقراره السياسي والاجتماعي وإلى حدٍّ ما الاقتصادي، يشعر الآن أن هذا الدور بات فضفاضًا عليه، وأن هناك من يضغط بجدية لإلغائه، أو تحجيمه، وصولًا إلى شطبه من المعادلة السياسية التي يجري تركيبها وتغييرها.

ولذلك فإن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها المملكة حاليًا، لا تجد من ينظر إلى نتائجها الأمنية، ولا من يتحسب إلى عواقبها السياسية، بل لعل هناك من يستعجل تفاعلاتها، وصولًا إلى تغيير الواقع السياسي في المنطقة، وإعادة تشكيل الأدوار فيها.

قواعد اللعبة في الأردن تتغير، والرهان على الدعم الخارجي لم يعد مطروحًا ولا ممكنًا. فالحكومة التي كانت قادرة على توظيف علاقاتها الإقليمية والدولية لتجاوز الأزمات الداخلية، تجد اليوم صعوبة حقيقية في مواجهة استحقاقات الأزمة، وفي احتواء تفاعلاتها السياسية والاجتماعية، ولذلك نجدها تختار الحلول الصعبة المكلفة والمتمثلة بزيادة الضرائب ورفع الدعم، وهو ما يضعها في مواجهة داخلية خطرة قد تكون بداية تغيير عميق قد لا يكون الأردن مستعدًا له أو جاهزًا لتحمل تبعاته.

الأزمة في الأردن أمام مفترق طرق، فالواضح أن الحلول الترقيعية للأزمات المزمنة، لم تعد كافية حتى لا نقول مقبولة، والنظام الأردني الذي كان يستخدم رصيد علاقاته الخارجية لمواجهة أزمات الداخل، يستنزف البقية الباقية من هذا الرصيد، حيث أن ما يطلب من الأردن اليوم أكبر مما يتوفر لديه، أو مما يستطيع النظام دفعه.

وما هو مطلوب – تبعًا لذلك – ليس معالجة تداعيات الأزمة الاقتصادية، وإنما بناء أسس جديدة للتعامل مع المشاكل الداخلية والضغوط الخارجية، عبر توافق وطني عريض، يتحلل من الوصفات الجاهزة القائمة على تغيير الحكومات وتبادل المراكز والحقائب فيها، والعمل بدلًا من ذلك على تشكيل أطر سياسية وحكومية قادرة على تشيخص الأزمة، وفهم طريقة العلاج الناجع لها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎