قصة التفنيش

قصة التفنيش

المصدر: تاج الدين عبدالحق

زمان، قبل أن يشتعل الرأس شيبًا، وتزداد المساحة القاحلة فيه، كان لدينا ونحن في الجامعة، عدد من المدرّسين المصريّين الذين كانت الجامعه قد استعارتهم لسد النقص في بعض الكليات الجديدة.

وكنا نحن الطلبة نجد متعة خاصة في حضور محاضرات الأساتذة المصريين،  ونحرص – بخلاف العادة – على حضور تلك المحاضرات والمواظبة عليها، لا بسبب روح الدعابة التي يمتاز بها المصريون عمومًا، بل لأننا كنا نستعيد _ مبهورين _ صورة وروح الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي علمنا أننا أمة عربية واحدة “ من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر “ .

كانت تلك التجربة على محدوديتها، أول معايشة قومية لنا مع أبناء جالية عربية أخرى، لم يكن انتقال الجاليات العربية بين الدول العربية، مألوفًا كما هو الآن . ورغم المسافة التي كانت تفصلنا كطلاب وبين المدرسين كأساتذة، إلا أن العلاقة الحميمة التي نشأت معهم في ذلك الوقت كانت كافية للنجاح في امتحان مشاعرنا القومية، والتي كانت سمة المرحلة بكاملها.

تلك الصورة ”البرية“ البعيدة أستعيدها أحيانًا وأنا أرى واقعًا من الصراع الذي يعيشه أبناء الجاليات العربية في المهجرعمومًا وفي منطقة الخليج خصوصًا.

في البداية كنت أظن أن الخليج العربي يمكن أن يكون مختبرًا لقياس عمق الروابط القومية عندما تتاح لها فرصة العيش المشترك الذي يتقاسمون فيه اللقمة والمسكن والعمل بلا حواجز أو قيود. وأعترف أنني وجدت فيما بعد واقعًا آخر طبيعته التنافس، وسمته الصراع.

فرغم اتساع الفرصة أمام أبناء الجاليات العربية لاستثمار ما بينهم من روابط قومية واحتياجات اقتصادية متبادلة، إلا أنهم انكفأوا في كثير من الأحيان إلى الدائرة القطرية الضيقة، وبقيت صلاتهم الاجتماعية وعلاقاتهم الشخصية مع بعضهم البعض، محكومة بظروف العمل المشترك ومقاييسه ومتطلباته.

وقد وجد البعض في نمط العلاقات السائدة بين أبناء الجاليات العربية دليلاً يقيمونه على فشل المشروع القومي وعلى ضعف الأساس الفكري الذي قام عليه. ومع أن الوصول إلى مثل هذه الاستنتاجات لا يخلو، أحيانًا، من غرض،  إلا أن هذا لا يمنع من القول إن بعض دول الخليج العربي تعاني فعلاً ممّا تمكن تسميته مجازًا ب “ صراع الجاليات “ .

صحيح أن هذا الصراع محكوم ومنضبط، إلا أنه يخلق في أحيان كثيرة مشاعر دفينة يمكن استغلالها والضرب على وترها. ومنذ سنوات وهذه القضية تطرح كظاهرة في المناقشات الأكاديمية، وكان الطرح يتسم بالكثير من الحساسية والحذر خوفًا من الوصول إلى معالجات خاطئة لها.

وأبرز ما قيل في هذا الشأن أن الظاهرة هي شكل من أشكال التنافس الوظيفي بين أبناء الجاليات العربية، غذاه، وساعد عليه التدفق الكبير للعمالة الوافدة للمنطقة، كما غذاه الوضع الاقتصادي القائم في المنطقة على مبدأ المنافسة الحرة وعلى قانون العرض والطلب، وهو وضع لم يكن مألوفًا في الدول العربية التي جاء منها المغتربون، حيث كانت الحكومات هي المسيطرة على السوق، وكانت هي التي تتحكم في سوق العمل وتفرض عليه شروطًا حمائية كثيرة.

لم يكن ما يعرف ”بالأمان الوظيفي“ الذي كان سائدًا في العديد من الدول العربية معروفًا في المنطقة، التي ورثت للتو قواعد عمل إنجليزية قائمة على حرية السوق. وكان من السهل إنهاء خدمات الموظفين واستبدالهم بدون أن تخشى المؤسسات ردود فعل كتلك التي كانت سائدة في العديد من الدول العربية.

ويبدو أن هذه الروح لا تعكس طبيعة أهل المنطقة، ولا تقليدها الموروث، بل كانت من تعبيرات مرحلة الاستعمار الذي كان من بين أبرز مآثره التي لا تزال متداولة إلى اليوم مصطلح “ التفنيش ”المأخوذ من الكلمة الإنجليزية finish، التي بات لها اشتقاقات عديدة في اللغة العربية بما في ذلك التأنيث والتذكير والجمع والإفراد.

ولا يعني القول بأن الصراع القائم في سوق العمل هو صراع وظيفي، أن المسألة بسيطة وهينة، ذلك أن الاحتكام لقواعد السوق فقط له مخاطر حقيقية تهدد هوية المنطقة. فدول الخليج بإمكانياتها المادية الكبيرة ورقعتها الجغرافية وقلة مواردها البشرية تشكل نقطة جذب للهجرات الأجنبية خاصة من أسواق قريبة تشكو من بطالة عمالية ومستعدة لتصدير العمالة بأي سعر وتحت أي ظرف، وهو ما يشكل عنصر ضغط على العمالة العربية الوافدة التي قد تجد نفسها خارج المنافسة تمامًا ، للدرجة التي لا يصبح فيها مصطلح التفنيش تعبيرًا عن القواعد التي تحكم سوق العمل والوجود العربي نفسه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة