مصير السعودية.. باخرة روزفلت وطائرة القاهرة

مصير السعودية.. باخرة  روزفلت  وطائ...

أن دولة بحجم مصر قادرة على أن توفر دعماً إقليميا للسعودية مقابل إيران، من جهة ، ومقابل أية تصورات أمريكية تميل للحلف التركي – القطري – الاخواني..

موفق محادين

ترافقت نشأة السعودية في الدرعية مع نشأة الوهابية (محمد سعود ومحمد بن عبد الوهاب) وذلك في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وتمكنت القبيلة التي تنتسب إلى عنزة، ومعها الحركة المذهبية، من إقامة دولتين، سقطتا على التوالي في حروب داخلية واقليمية أبرزها حملات محمد علي حاكم مصر على الدرعية وتدميرها.

مع اكتشاف النفط وتداعيات الحرب العالمية الأولى ودخول الانجليز ثم الأمريكان على هذا الخط أمكن للتحالف السعودي- الوهابي أن يهزم خصومه وخاصة آل رشيد ويثبت أركان سلطته ويوسعها من نجد إلى عسير والحجاز والإحساء.

بيد أن هذا التحالف تعرض لهزات كبيرة دموية أبرزها الصدام المسلح بين القبيلة والحركة الوهابية نفسها وتحالفاتها العشائرية وخاصة عشائر مطير وعتيبة وعجمان، وكان ذلك عام 1928 في معركة السبلة التي قادها فيصل الدويش ضد ابن سعود، وانتهت بمقتل واعدام قادة الحلف المناويء.

أما الهزة الدموية الثانية فكانت عام 1979 عندما قاد جهيمان العتيبي تمردا مسلحا في مكة المكرمة، انتهى باعدام ومقتل كل المشاركين فيه وقد أمكن للعائلة الحاكمة السعودية أن تثبت أركان سلطتها بفضل اكتشاف النفط ولقاء المدمرة الشهير (كوين سي) 1945 الذي جمع الملك عبد العزيز والرئيس الأمريكي روزفلت.

بيد أن مكر التاريخ كما يقال، قد يطاول السعودية كما طاول غيرها، وقد نشهد انقلابا في التحالفات حولها وضدها ومعها.

ومن ذلك قيام تحالفات، على الأرض، بين الأمريكان والإنجليز والوهابية ضد السعودية، مقابل تحالفات سعودية مع مصر (سليلة ووريثة محمد علي الذي دمر دولة سابقة لها) ومع موسكو والصين..

أما (الخصم الثابت) في كل هذه المراحل وبالرغم (العلاقات) التي تبدو حسنة فهو تركيا، من تركيا الخلافة العثمانية إلى تركيا الأتاتوركية الطورانية العلمانية إلى تركيا الاردوغانية (الإسلام السياسي الأمريكي) .

ومن الملاحظ واللافت للانتباه ، أن السعودية ترد كهدف للتفكيك والتفجير القبلي والمذهبي في كل السيناريوهات الصهيونية والأمريكية التي جرى تداولها منذ عام 1956 وحتى الآن، وذلك بالرغم من موقعها في التحالف المنافس للكتلة الشرقية والقوى القومية اليسارية.

ويشار هنا إلى ما كشفه الصحفي الهندي كارنجيا 1956 عن خطة إسرائيلية لتفتيت الوطن العربي، وما ظهر في مجلة كيفونيم الإسرائيلية 1982 وفضحه المؤرخ الإسرائيلي إسرائيل شاحاك، وما جاء في تقرير أعده المؤرخ الأمريكي اليهودي برنار لويس، فجميع هذه اتصورات تحدثت عن تفجير البلدان العربية الكبرى وغيرها: مصر، سوريا، السودان، العراق، السعودية إلى دويلات طائفية….

وفيما يخص السعودية تحديدا، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

1. ارتفاع منسوب ووتيرة حديث أوساط أمريكية نافذة عن حزام التوتر حول (المملكة) حيث تحتفظ هذه الأوساط بعلاقات ما مع قوى هذا الحزام المتوتر.

2. التحالف المرضي عنه (امريكيا) بين إيران وقطر في نقاط عديدة من الحزام المذكور بما فيها مناطق يبدو غريبا أن يكون للدوحة اهتماما بها مثل الحوثيين في شمال اليمن ومثل الاحساء.

3. إذا كانت الدوحة تمثل جيباً بالمعنى الديموغرافي السياسي، شأن لبنان مع سوريا، والكويت مع العراق وكردستان وشأن ارتيريا مع الحبشة، قبل استقلالها ، فإنه ما من مركز تمكن من حسم المعركة مع أي جيب بل أن العكس هو الصحيح في حالات عديدة بالنظر إلى التشابكات الاقليمية والدولية التي تقف وراء ذلك.

فالكويت أطاحت بثلاثة زعماء للعراق (الملك غازي والرئيس عبد الكريم قاسم والرئيس صدام حسين) .. وارتيريا أطاحت بأثيوبيا..

والمهم في هذه الحالة، أن أوساطا أمريكية وأوروبية نافذة، بالإضافة لتركيا لا تخفي تعاطفها مع الدوحة بذرائع ومسوغات عديدة وهناك من هذه الأوساط يريد نهاية السعودية عبر تقسيمها.

4. وبهذا المعنى، من المبكر والسابق لأوانه تصوير التحالف التركي – القطري- الإخواني كتحالف مأزوم يلفظ أنفاسه.

ففي الموضوع السعودي تحديدا قد يبدو الأمر أكثر تعقيدا بالنظر إلى اعتبارات عديدة، إقليمية ودولية، منها أن مواجهة إيران تحتاج إلى تحالف فعال من هذا النوع ينطوي على إدارة مرنة لهذه المواجهة من الداخل والخارج، وعبر الاقتصاد والسياسية معاً ومنها أهمية تركيا والاخوان في الحزام الإسلامي الأخضر حول اوراسيا (قلب العالم) والقوى الصاعدة (صحوة روسيا وتقدم الصين في المشهد العالمي)..

انطلاقا مما سبق أذهب إلى قراءات مختلفة لحدثين هامين لهما علاقة بالحدث السعودي:

الأول، لقاء الطائرة مع الرئيس المصري فهو أوسع وأعقد وأكبر من الملاحظات الثانوية على مبادرة الرئيس المصري لزيارة الملك السعودي في طائرته في المطار.

والأدق أنه أشبه بلقاء الملك عبد العزيز بن سعود مع الرئيس الأمريكي روزفلت على ظهر المدمرة كوين سي 1945، مما يعني أن السعودية معنية بهذا اللقاء من زاوية أمنية ذات بعد استراتيجي، ولا سيما أن الموقف الأمريكي الذي ساهم في تعزيز البعد الاستراتيجي منذ لقاء كوين سي، لم يعد قائما إن لم يذهب إلى ما هو أخطر …

ويمكن القول هنا، أن دولة بحجم مصر قادرة على أن توفر دعماً إقليميا للسعودية مقابل إيران، من جهة ، ومقابل أية تصورات أمريكية تميل للحلف التركي – القطري – الاخواني..

ولا يمكن لمصر أن تلعب هذا الدور دون اسنادها اقتصاديا وإعادة الاعتبار لمكانتها الاقليمية ولطبيعة تسليح الجيش المصري مما يفسر استعداد السعودية ، كما يبدو لتمويل صفقات عسكرية روسية لهذا الجيش .

الثاني: تسليم الموصل والأنبار لداعش بعكس ما جرى تصويره كاجتياح مفاجيء…

وبقدر ما يخدم هذا التسليم، العقل الطائفي في بغداد والميل المتزايد للطلاق مع المكون السني طلاقا تاما أو كونفدراليا، بقدر ما يخدم فكرة إطلاق أو تأسيس إمارة إسلامية في الأنبار والموصل بقيادة داعش، وبما يحولها إلى منطقة اشتباك استراتيجي مع السعودية واستعادة خطاب جهيمان عتيبي عندما اقتحم مكة 1979.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com