وحقك انت المنى والطلب .. جئت وأكلت في برج العرب !

وحقك انت المنى والطلب .. جئت وأكلت في برج العرب !

جيهان الغرباوي

كل ما كان يعنيني وقتها.. هو دخول هذا الصرح المعماري الباهر، واكتشاف أسرار وأسعار أعلى فندق في العالم، وقد كان وقتها فندق ”برج العرب“ في دبي، الذي استغرق الترتيب لزيارته 13 يوما، لزوم الاتصالات والمفاوضات وتحديد تاريخ وموعد الزيارة، علما بأن ”فيزا“ دخولي دبي نفسها لم تستغرق أكثر من يومين!

ومقدما بمجرد دخولي الفندق كصحفية، طلبوا مني التوقيع على إقرار مترجم إلى العربية عن الأصل الانجليزي، بضرورة الالتزام، بالحقائق الرقمية الدقيقة التي يوفرها لي المسئولون، في حال نشر اي موضوع يتعلق ببرج عرب دبي، ووافقت بكل سرور وحماسة، ونسيت أن اقرأ الشرط الجزائي الذي قد يتورط فيه شخصي الضعيف في حالة لا سمح الله وقوع أي سهو أو خطأ مطبعي عند النشر!

الغرامات والمخالفات التي يفرضها قانون دبي متنوعة وكثيرة خاصة على من يعتدون على نظافة الشوارع بإلقاء المهملات، أو من يشوهون شكل المدينة الحضاري ويوزهم الشيطان مثلا و يغويهم بنشر الغسيل في ”البلكونات“ لا قدر الله.

اما الآن .. فاعلم عزيزي القارئ ايدك الله وايدنا بروح منه، ان زيارتك لبرج العرب ليست مجانية، حتى لو كان غاية أملك، ومنتهى طموحك أن تقف عند عتبة الباب الزجاجي الخارجي العريض، وتتطلع برأسك الصغير نحو بهو قاعة الاستقبال المغطاة بأفخم أنواع السجاد اليدوي بارز الرسومات جميل الألوان بديع الانحناءات..

وحتى لو كان ”غرضك شريفا“ ولا تطمع في أكثر من كوب شاي ونظرة تسافر فيها عيناك نحو السقف، الذي يظل ”أعلى فندق في العالم“ فهذه النظرة وهذه ”الطلة“ لن تكلفك غالبا أقل من 200 درهم سعر زيارة التعارف البريئة لهذا المعلم السياحي الشهير.

قبل أن تسألني لماذا؟ دعني أضع تحت علمك وتصرفك بعض مواقف وطرائف تجربتي الشخصية في ”برج العرب“ ..تابع.. وركز.. ”علك تستفيد“!

أولاً: لأني لست زبونة من نزلاء الفندق وصلت إلى المكان في تاكسي، وليس في السيارة ”الرولزرويس“ البيضاء التي تنقل النزلاء المحترمين من المطار إلى باب برج العرب، هذا إن لم يصلوا في طائراتهم الخاصة التي يستقبلها مهبط الطائرات الدائري الأنيق الملحق بالفندق ذاته.

ورغم أن تاكسيات دبي الفاخرة تعمل كلها“ بالعداد“ وتعامل الزبائن على اختلاف جنسياتهم بمنتهى الذمة والأمانة، تجاهل السائق الباكستاني الأسمر الذي أوصلني إلى هناك أن لي عنده درهمين ودون أن يسألني تصرف وفقا لطبيعة المكان الذي قصدناه وزبائنه ”اللارج“ الذين كثيرا ما يستخدمون عبارة ”خلي الباقي علشانك“!

ثانياً: بمجرد أن دخلت صالة الاستقبال، وأصبحت في مواجهة السلم الكهربائي الصاعد للطابق الثاني من الفندق والمحاط بأحواض زجاجية باهرة للشعاب المرجانية والسمك الملون، لم تتركني موظفة الاستقبال خطوة، وقطعت علي الطريق حتى التفت إليها مأخوذة فإذا بها تقول ”عطر.. عطر..؟ “ وتسكب بين دي قطرات العطر العربي الفواح من زجاجة كريستال كبيرة، وهي تبتسم ابتسامة ترحاب واسعة مشرقة لا ينافسها غير الود الذي أبداه لي في نفس الوقت موظف اخر، يرتدي الجلباب والعقال الخليجي الأبيض، ويقدم القهوة الفاتحة لكل ضيف، في ”فناجين“ صغيرة بلا آذان!

لم تمض ثواني حتى اقترب مني موظف أخر، وقدم لي تمرا بعضه كان محشوا باللوز وبعضه محشو بالفواكه المسكرة، وكان علي أن اختار.

لم أكد أنتهي من وضع التمرة التي اخترت في فمي، حتى جرى موظف أخر، في زيه الرسمي المهيب، يقدم لي في سلة فضية صغيرة، فوطة مبتلة بالبخار لأمسح ما تعلق في أطراف أصابعي من سكر التمر!

ولأن ( اللي يلاقي دلع، وما يدلعش، ربنا يحاسبه) كما نقول عندنا في مصر، لم أجد مانعا من استمراء هذه الرفاهية الشديدة، ولو لساعات، محدودة بوقت وجودي العابر في فندق أغنى أغنياء الخليج والعالم.

قبل أن يصيبني التوتر العصبي، وانعدام التوازن النفسي من هول ما أرى ويحدث لي

ذهبت أفتش عن السيد ”محمود صقر“ كبير مسئولي الضيافة والعلاقات العامة، الذي كان لحسن حظي مصريا، وهو المكلف بصفة رسمية من إدارة برج العرب بإرشادي السياحي لأجنحة الفندق ومطاعمه وإعطائي كل المعلومات عن مزاياه الجمالية وخدماته الاستثنائية، وسبب شهرته العالمية وعن أسعار الإقامة أيضا في ”الأجنحة العادية“ وأجنحة الرئاسة، والأجنحة الملكية.

أما عن أشهر وأهم نزلاء ”برج العرب“ من الفنانين والنجوم ورجال الأعمال أو من رؤساء وملوك العالم، فهذا هو المسكوت عنه قطعيا، حيث يحتم ميثاق الشرف الفندقي عندهم عدم الإفصاح عن أسماء النزلاء أثناء اقامتهم، أو بعدها، تماما مثل سرية حسابات العملاء في البنوك السويسرية، وذلك كي يطمئن النزيل، على خصوصية أجازاته أو حرية تحركاته طالما أنه لم يقم بنفسه بالإفصاح عنها لأجهزة الإعلام والصحافة.

فيروز ”جارة القمر“ هي الفنانة الوحيدة التي شاع خبر إقامتها في برج العرب، وكان مصدر الخبر مكتب إدارة مهرجان دبي التي أشرفت على حفلها الغنائي الكبير أثناء شهر السياحة والتسوق.

ورغم ذلك فقد أكد لي السيد ”محمود صقر“ أن الفندق لم يعد لإقامتها لديه أي ترتيبات خاصة و لم يوفر لجناحها أي خدمات زائدة ، فشعار ”برج العرب“ كل النزلاء سواء والزبائن كأسنان المشط!

أنت نزيل في ”برج العرب“ إذن هذا يكفي كي تعامل مثلك مثل الملوك وأشهر الفنانين وأغنى أغنياء نيويورك، قد يكون ذلك هو سبب التميز ”وكلمة السر“ فالفندق لا يتميز فقط ببنائه الشاهق 321 مترا فوق سطح مياه الخليج، ولا بمطاعمه ذهبية الأعمدة كريستالية النجف رخامية الأرضية، زجاجية الجدران استثنائية التجهيزات، وإقبال السياح على الإقامة في هذا المكان بالذات الذي يضم 202 جناح يصل ثمن المبيت بها الى 25 ألف درهم في الليلة الواحدة !

ستائر حجرات النوم تسدل وترفع بالريموت كنترول وبرانس الحمام البيضاء مصنوعة من قطن أيرلندي فاخر، وزجاج النوافذ من نوع نادر وارد إيطاليا، ورخام الجدران الأملس من ”كارارا“ تماما كالذي استخدمه مايكل انجلو في أعماله الإبداعية !

كل هذا جميل.. لكن السر الحقيقي في السمعة الدولية والإقبال على المكان هو المعاملة فائقة الكرم والخصوصية، والاهتمام الشديد والبالغ الذي يبديه المسئولون والعاملون في الفندق للسيد النزيل المحترم أيا كان اسمه وعمله وجسنيته.

كبير طاقم الضيافة بالفندق وقت زيارتي كان مصريا كريما عاشقا لمصر، تمنى لبلاده نفس التالق السياحي في دبي و“برج العرب“ الذي قضيت فيه حوالي حوالي نصف يوم، وخرجت منه تحملني سيارة ”رولز رويس“ بيضاء أخر موديل، يستحيل على عيني و قلبي نسيانها!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com