د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامديد. أحمد بن قاسم الغامدي

الحرية في الإسلام

لقد وُلد الناس أحرارًا، وجُبلوا على الحرية، واتفقت العقول على محاسنها، وهفت النفوس لمحبتها، وجاء الدين باعتبارها وذم الطغيان فيها، فالحرية أساس صحة التكليف والجزاء.

ولقد جاءت نصوص الوحي تقرر الحرية كحق للإنسان، وتعدها شرطًا في المؤاخذة بالأفعال والأقوال، وتعتبر الإكراه من موانع هذه المؤاخذة.

فليس في الدين إكراه قطعًا، ولقد تظافرت نصوص الدين على كون الحرية حقًا من الحقوق الإنسانية، قال تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وقال تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)، وقال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، وقال تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، وقال تعالى: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين)، وقال تعالى: (لكم دينكم ولي دين)..

فهذا المعنى ثابت من الثوابت المحكمة في الدين، والنصوص التي تعزز ذلك المعنى كثيرة متواترة، فقد جاء الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث على دعوة الناس إلى الصدق والإشادة به وبأهله، وتُرغّب فيه، وتضمنت الوعد عليه بالجزاء العظيم.

وفي المقابل جاءت كذلك بذم الكذب والنفاق وذم أهلهما، والتنفير منهما والتوعد عليهما بالعقاب، وكل ذلك يعزز معنى الحرية في الإسلام، ويثبت حق الاختيار للإنسان، ويظهر قيمة الصدق ولزومه، وأنه منبع الفضائل والخير، كما أن الكذب والنفاق منبع الرذائل والشر.

وما هذا إلا لتحقيق مراد الله من ابتلاء خلقه فيما يختارونه من الإيمان والطاعة بحرية وصدق، كما قال تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)، ومعنى فليعلمن أي ليرين الله من صدق في إيمانه وطاعته ومن كذب، فالعلم هنا علم رؤيا كما في قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، أي ألم تعلم، ونظير ذلك قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم).

أي حتى نرى المجاهدين منكم والصابرين، فمع أنه قد سبق في علم الله تعالى ما سيقع في هذا الكون من العباد، إلا أن الله سبحانه شاء وقوع ذلك ليكون علم رؤية ووقوع، وهذا لكمال حكمته وعدله تعالى.

ومن نافلة القول إيضاح أن الله تعالى لم يشرّع القتال في الدين لإكراه الناس على الدين، وإنما شرع الجهاد لاحقًا لرد عدوان المشركين والكفار، فقد أُوذي رسول الله والمسلمون في مكة أذى كثيرًا، ومع ذلك لم يأذن الله للمسلمين بالجهاد رغم ما وقع عليهم من الظلم والإيذاء، قال تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة).

هذه الآية تبين أن الله لم يأذن لمن حرص على مواجهة عدوان المشركين والجهاد في أول الأمر، وإنما أذن للمسلمين بالدفاع عن أنفسهم بعد الهجرة وبعد إصرار المشركين على الاعتداء والعدوان، عند ذلك أذن الله للمسلمين بالقتال بقوله: (أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)، ولم يرد في النصوص تسويغ الإكراه، ولا نقل عن رسول الله ولا عن أصحابه، إكراه أحد على الإسلام.

ولقد حكى الله احتجاج المشركين بالقدر على تبرير شركهم وأفعالهم، وأبطل الله احتجاجهم ذلك بقوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون)، فالقدر نافذ في الخلق ليس إكراها وإنما هو علم سابق باختيار خلقه المستحق، فالاعتراض بالقدر لتبرير الكفر والمعاصي اعتراض غير صحيح بيَّن الله بطلانه، وإنما وقع من المشركين تخرصًا واتباعًا للظن.

 وسأبين في المقال المقبل -إن شاء الله- الجواب عن اعتراض من رأى أن ما هو مقرر في دواوين الإسلام من أن إثبات رأي الفقهاء حد الردة يتعارض مع القول بأن الدين يقرر الحرية كحق للإنسان، وسأوضح الجواب حول احتج به الفقهاء من أدلة في القول بحد الردة، وأن ذلك لا يثبت رواية ولا دراية، وللحديث بقية إن شاء الله.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com