خيرة الشيباني
خيرة الشيباني

الدعابة.. مؤشر للتمييز الجنسي؟

بالرغم من أنها تخرج، في كثير من الأحيان، عن قواعد الخطاب الرسمي المتداول، ولا تلتزم أيضاً بما تفرضه معايير وقيم المجتمعات التي تنشأ فيها، وتمثل أيضاً خطاب نقد ومقاومة لرداءة الواقع وعنف الحياة وشقائها أكثر ما تُطلق لمجرد التسلية العابرة الخالية من كل مضمون أو رسالة، أو ربما لهذه الأسباب مجتمعة، حظيت الدعابة باهتمام العلوم الإنسانية من علم اجتماع وعلم نفس وإنثربولوجيا وعلوم سياسية وغيرها..

وأصبحت بذلك من المواضيع الجديدة التي تُقبِل عليها الأعمال الأكاديمية، شأنها شأن الكتابة على الجدران، وبالذات على جدران الحمامات، التي تحولت إلى ظاهرة أثناء ثورة مايو 68 في فرنسا، أو شأن الجرافيتي على حيطان الجسور والأماكن العامة، كما حدث في تونس مع "ثورة" 2011، وفي غيرها من بلدان العالم.

الباحثة الكندية بنيلوب كوديلو، أستاذة العلوم الإدارية في جامعة مونتريال، اهتمت، بمعية زميلتها كاترين باتري، بظاهرة الدعابة في وسط العمل، وخصتها بدراسة سوسيولوجية حاولت من خلالها أن ترصد أشكال التمييز الجنسي بين الفكاهة التي تطلقها المرأة القيادية وتلك التي يطلقها الرجل ذو المنصب العالي.

الرجل المضحك من المرجح أن تكون له مكانة أعلى من الرجل غير المضحك، ولكن من المرجح أن تكون للمرأة المضحكة مكانة أقل من المرأة غير المضحكة.

هذا التمييز تتبعته الباحثتان من خلال خمسة أنماط من الفكاهة كان قد حددها عالما الاجتماع إريك روميرو وكيفين كروثورديس في بحث شهير لهما نشر عام 2006، وتبين أن النسوة لا يخضعن لهذه الأنماط بنفس الطريقة التي يخضع لها الرجال، فما يُنظر إليه على أنه قدرة على الخيال والإبداع ومن سمات التفوق لدى الرجل، يٌنظر إليه أحياناً على أنه تقليل من شأن المرأة.

باعتماد هذا التصنيف وتطبيقه على العديد من المسؤولات بمؤسسات كندية، تبين أن ما يُطلق عليها "دعابة الانتماء" تساعد في إيجاد تماسك بين فريق العمل، من خلال تسهيل العلاقات الاجتماعية وخلق بيئة عمل إيجابية.

لا عجب، فغالباً ما ترتبط هذه الفكاهة بالنساء وتستخدمها، لأنها تشير إلى خصائصهن النمطية، مثل الرعاية والدعم والاندماج والتعاون، في حين تتمحور دعابة الترويج الذاتي حول الذات وتهدف إلى تحسين صورتها، وهذه خاصية تتميز بها الدعابة الرجالية، فيما تكون النساء أقل ميلاً إلى البروز، ربما بسبب عوامل القهر الاجتماعي المستبطنة التي تُشعرها بشكل واعٍ أو غير واعٍ بالدونية.

وغير بعيد عن دعابة الترويج الذاتي، تأتي الدعابة العدوانية التي تهدف إلى الهيمنة والإيذاء والترهيب والتحقير. وتلاحظ الباحثتان أن الرجال أيضاً يستخدمون هذا النوع من الدعابة بشكل أكبر، بغض النظر عن أصولهم الثقافية، مما يعزز الصورة النمطية التمييزية للجنسين.

النسخة الساخرة، الأقل عنفاً من النسخة السابقة، هي التي يسميها إريك روميرو وكيفين كروثورديس "الدعابة شبه العدوانية"، وهي التي تتحايل للتعبير عن الخلاف والرسائل غير السارة، وغالباً ما ترتبط هذه الاستراتيجيات بالقوالب النمطية الذكورية.

الأسلوب الخامس من الفكاهة هو السخرية من النفس الذي يخلق مشاعر إيجابية، بينما يسعى لإقناع الآخرين في محيط العمل. ويتم استخدام هذا النمط من الفكاهة لتقليل الفجوة الهرمية وتحسين تصور إمكانية التقدم في السلم الهرمي بالمؤسسة..

لقد اعتاد الرجال والنساء هذا النوع من الدعابة، ولكن لهذه الدعابة آثارا مختلفة على النساء وعلى الرجال، إذ يُنظر إليها، بالنسبة للرجال، كاستعراض لقصص نجاح عاشوها ويودون حث الآخرين على خوضها، فيما يُنظر إليها بالنسبة للنساء كنوع من التبسط مع الآخرين الذي قد يؤدي لفقدان امتياز المرتبة العليا في السلم الهرمي لمؤسسة العمل.

اللجوء إلى الفكاهة، مثل العديد من الأشياء الأخرى، سوف يزعجه الخلل في العلاقات بين النساء والرجال.

ما تنتهي إليه الباحثتان الكنديتان من دراسة هذه الأنماط الخمس من الفكاهة، من منظور جندري، هو التأكيد على أن الفكاهة، كعلامة من علامات علاقات القوة في بيئة العمل، تزيد من تعزيز عدم المساواة بين النساء والرجال.

كما أوضحت هذه الدراسة أن الفكاهة تعمل كمؤشر اجتماعي مقلوب لدى النساء: فالرجل المضحك من المرجح أن تكون له مكانة أعلى من الرجل غير المضحك، ولكن من المرجح أن تكون للمرأة المضحكة مكانة أقل من المرأة غير المضحكة. وبالمثل، فإن المرأة التي تستخدم الفكاهة للترويج لنفسها لن تعطي صورة جيدة عن نفسها، على عكس الرجل الذي يمكنه استخدامها أو حتى إساءة استخدامها، فلا تزال المعايير المزدوجة معلقة فوق رأسيهما.

وبالتالي، تواجه المرأة خيارين عندما يتعلق الأمر باستخدام الفكاهة في مكان العمل، إما احترام النظام الاجتماعي للتمييز الجنسي، وبالتالي ضرورة النظر في الآثار والمخاطر السلبية لاستخدام شكل من أشكال الدعابة..

وتزداد هذه المخاطر وتكون أكبر بالنسبة للمرأة عندما تشتغل في بيئة محافظة أو أن تخل بالنظام الاجتماعي المكرس وتخرقه من خلال استخدام المزيد من الفكاهة، وخاصة فكاهة دعاية الترويح الذاتي، ولماذا لا تلجأ ايضاً للدعابة العدوانية التي تكون رداً على زميلها الذي يحاول مهاجمتها، وبالتالي تكون محاولة منها لاستعادة شكل من أشكال المساواة؟

تُبلور مسألة الدعابة، كما رصدتها الباحثتان الكنديتان القضايا المتعلقة بعدم المساواة بين الجنسين في بيئة العمل. ومع ملاحظتهما أن الدوائر تضيق على المرأة، مع علو منصبها في التسلسل الهرمي الإداري، في اللجوء إلى المزاح والدعابة خوفاً من عواقبها، فإنهما متفائلتان بأن نشر سياسات المساواة والتنوع والشمول، داخل بلدهما وربما في العديد من بلدان العالم، يشير إلى أن التوازن سيتغير تدريجياً، في اتجاه تكريس المساواة في هذا التصرف الاجتماعي العفوي، وأن اللجوء إلى الفكاهة، مثل العديد من الأشياء الأخرى، سوف يزعجه هذا الخلل في العلاقات بين النساء والرجال.

هذا في كندا، فماذا عن بلاد العرب؟ وهل نأمل خيراً أن تقهقه النساء ملء أشداقهن، وبعفوية تامة، دون أن يكتمن النكتة أو أن تكون، وقد أُرسلت مصدر وصم وقراءات تشوه من صورتها، خاصة أن الدعابة، كما يقول علماء النفس، وإن فجرت المكبوت وخففت من توتر أجواء العمل وشجعت على الانسجام بين فريق الإنتاج، فإنها تمثل خاصة أداة من أدوات التعلم والإبداع.

بالصور.. أبناء ذمار أكثر اليمنيين تميزا بروح الدعابة

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com