صورة النصر
صورة النصرصورة النصر

صورة النصر

على الرغم من كل ما يقال عن أهداف العملية الحربية الجديدة على قطاع غزة، فإن الهدف الأساسي منها كان سياسيا حزبيا.. وأفضل السبل لفهم هذا الهدف هو في تصريح بسيط لإنسان بسيط يسكن في مدينة سديروت اليهودية الجنوبية.

في حديث عابر، خلال جولة شارع قام بها مراسل الإذاعة الإسرائيلية العبرية (ظهر الأحد)، قال الرجل، واسمه رامي، "أنا مع الليكود، لم أصوت في حياتي لحزب آخر.. مَن يتابع صفحتي على فيسبوك يعرف أنني معارض شديد لحكومة (نفتالي) بنيت – (يائير) لبيد. ولكنني اليوم أنزل القبعة وأقول كل الاحترام. فنحن في بلدات الجنوب نتلقى الصواريخ منذ سنوات طويلة من جيراننا العرب في غزة، وهذه أول مرة نشعر بأن لدينا حكومة قوية صارمة لا تتردد ولا تتأتئ. تضرب بقوة وتغتال رؤوس الإرهاب".

هذا المونولوج القصير هو ما أراد سماعه لبيد من هذه العملية، وهو يغوص في عز معركته الانتخابية.

صحيح أن هذا هو ليس الهدف الوحيد للعملية، فالجيش الإسرائيلي يخطط منذ زمن لتوجيه ضربة قوية لتنظيم الجهاد الإسلامي، الذي يقوم بدور مركزي في مقاومة الاحتلال في منطقة جنين، كما أن ضرب الجهاد لا يستهدف نشاطه حسب، بل توجيه رسالة أخرى موجعة لإيران، لأن الجهاد محسوب عليها.

وهناك هدف آخر يتعلق بعقيدة الجيش الإسرائيلي نفسه، حيث إنه لا يعتمد في بناء قوته الضاربة على التدريبات فقط، بل يحرص على أن يمر كل جندي في "حمام حربي" في خدمته العسكرية، فلكي تكون ضابطا لا يكفي أن تحصل على تدريب نظري، ومفضل أن تمر في مسار حربي.

وهناك هدف آخر لا يقل أهمية، فإسرائيل تعتبر واحدة من الدول التي تبيع الأسلحة والخدمات الأمنية. في سنة 2021 بلغ دخلها من هذه التجارة 11.3 مليار دولار، وهذا المبلغ يزيد بنسبة 18% عن سنة 2020 و30% عن سنة 2019.

ومن مميزات الأسلحة الإسرائيلية عن غيرها من الدول أنها تُباع مجربة.. وأين يتم تجريبها؟ على جلد الفلسطينيين ولحم أبنائهم وبناتهم! ولذلك، تحرص على الدخول في حروب بوتائر سريعة.

ولكن المنظومة الأمنية الإسرائيلية هي أيضا لاعب في الساحة السياسية، رغم أن القانون يفرض عليها الابتعاد عن الأحزاب وصراعاتها، ولهذه المنظومة حساب طويل مع رئيس الحكومة السابق ورئيس المعارضة الحالي بنيامين نتنياهو ومعسكره.

الخلافات بينهما باتت علنية مكشوفة منذ سنوات طوال، عندما رفض قادة الجيش والموساد والمخابرات الدخول في حرب مع إيران سنة 2010. منذ ذلك الوقت، يواجه الجيش هجوما غير مسبوق من هذا المعسكر.

كل وسائل الإعلام والبحث الأكاديمي اليمينية مجندة له.. صحيفة "يسرائيل هيوم" التي تعتبر بوقا لنتنياهو، وتوزع مجانا وتكلف أصحابها من عائلة شلدسون 22 مليون شيكل خسارة في الشهر، وموقع "ميدا" وقناتا التلفزيون 14 و20 وموقع "المركز الأورشليمي لشؤون الجمهور والدولة" و"موقع القدس للبحوث الإستراتيجية" وصحيفة "مكور ريشون" و"القناة السابعة" التابعة للمستوطنين وغيرها..

كل هذه الوسائل مجندة للطعن في الجيش، تنشر مقالات ودراسات ومقابلات صحفية يتم فيها نعت الجيش بأوصاف سلبية مهينة، فيظهرونه مبذرا المال العام وينشرون لوائح الرواتب الدسمة للجنرالات، الذين يقبضون أكثر من رئيس الحكومة والوزراء، ويهاجمون أداءه المهني ويظهرونه كمن تخلى عن عقيدة الهجوم والإقدام وتبنى عقيدة الجبن والدفاع، ويتهمونه بعدم الاستعداد الحقيقي للحرب، ويطعنون في مصداقية الجنرالات الكبار "الذين ما أن يخلعوا البزة العسكرية ويسرحوا من الجيش حتى ينكشفوا كشخصيات سياسية يسارية".

هذه الهجمة على الجيش تزعج قادة الجيش وتخيفهم، وهم يعتقدون أن من شأن عودة نتنياهو إلى الحكم أن تحدث شرخا أكبر بينهم وبين المواطنين. لذلك لا يريدونه، وإن كان بمقدورهم أن يقوضوا مكانته ويسهموا في إفشاله، فإنهم لا يترددون.

وبما أن نتنياهو يدير معركته الانتخابية تحت شعار "لبيد وغانتس لا يصلحان لقيادة إسرائيل" و"الدولة تحتاج إلى قائد قوي مثل نتنياهو"، وبما أن هذه المعركة تبدو ناجحة جدا والاستطلاعات تشير أن نتنياهو هو المفضل عند الإسرائيليين لتولي منصب رئيس الحكومة (47%:31% مقابل لبيد و49%:29% مقابل غانتس)، فإن لبيد وغانتس يحتاجان إلى شيء يغير صورتهما هذه.

وقد تجند الرئيس الأمريكي جو بايدن لهذه المعركة، عندما وصل إلى إسرائيل في الشهر الماضي، وكذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي استقبل لبيد في أول رحلة له بعد انتخابه رئيسا للوزراء، وسنرى المزيد.

ولكن صورة النصر التي يبحث عنها لبيد في العملية ضد غزة، ستكون تلك الصورة التي يظهر فيها وهو يستقبل في مكتبه نتنياهو ويقدم له إحاطة سياسية وإستراتيجية بصفته رئيس معارضة، في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الإسرائيلية تشاطر على تنظيم صغير في قطاع غزة وتسقط على رؤوس أهله 16 طنا من المتفجرات في كل يوم..

يريدون إظهاره رئيس حكومة بـ"ملو هدومه"، كيفما تقول السيدة السورية في مسلسل باب الحارة: "رِجّال، حبيبي رِجّال".

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com