أمريكا.. خطوط الصدع الدينية والسياسية
أمريكا.. خطوط الصدع الدينية والسياسيةأمريكا.. خطوط الصدع الدينية والسياسية

أمريكا.. خطوط الصدع الدينية والسياسية

ربما لو كان الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل حيا اليوم (توفي سنة 1859) لما تكبد مشقة السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاطلاع على ما اعتبره الصورة المُثلى للديمقراطية مُجسدة في النظام السياسي الأمريكي آنداك، ولما ألّف كتابه الشهير "الديمقراطية في أمريكا" الذي اعتبره إنجيلًا لمعالجة أدواء الديمقراطية في بلاده التي تعثرت، بسبب التقلبات السياسية لما بعد الثورة الفرنسية..

ذلك أن الديمقراطية الأمريكية التي بلغت تطورها الكامل في أواسط القرن التاسع عشر، كما رأى هذا الفيلسوف الذي جمع بين التنظير الفلسفي والممارسة السياسية، تعيش الآن أبلغ مراحل انحرافاتها وترهُلها، وربما تقويض أسسها الجوهرية، وإلا فما معنى أن تفرض مجموعة سياسية متلبسة بالدين قيمها ومُثلها ونمط عيشها على مجموعة أخرى لا تقاسمها نفس القيم ونفس المُثل والخيارات في الحياة..

فقط، لأن الأولى لها من المال ومن القدرة على المناورة واللعب على المخيال والضمير الجَمْعيين، وعلى استغلال طاقة البشر أحيانا على الانغلاق والتعصب والوقوع في الجهل إلى أقصى مستوياته، سوى أن استبداد الفئة القوية حتى لو كان بحجة القانون، هو نسف لأبرز أركان الديمقراطية، ألا وهي الحرية التي قال عنها دو توكفيل إنها "العلاج الوحيد لمخاطر مجتمع المساواة والديمقراطية عندما تنحرفان عن أهدافهما النبيلة".

ما تعيشه الآن الولايات المتحدة الأمريكية من استبداد للاتجاه اليميني سياسة وإدارة للشأن العام، هو صورة من صور انحراف الديمقراطية التي تفترض الاشتراك في مجموعة من القيم تضمن الحد الأدنى من العيش المشترك، ولكنها تضمن أيضا الحق في الاختلاف، وفي التعبير والرأي الحر، وذلك التوازن الدقيق بين الحريات الفردية ومصلحة المجموعة.

ما نراه اليوم، ونحن نتأمل ما يحدث في بلد طالما اُعتُبر رائدا في ترسيخ التقاليد الديمقراطية هو صراع حاد، في شكله الظاهري بين حزبين تداولا منذ عقود على السلطة، ولكنه في العمق هو صراع بين نموذجين من المجتمع ورؤيتين للحياة تفعل فيهما السياسة فعلها، ولكن تحركهما، في واحد منهما على الأقل، الإيديولوجيا والدين ومؤسسات ما قبل الدولة وما قبل الديمقراطية.

الصراع الحالي هو صحيح على السلطة، إذ لم يقبل الحزب الجمهوري إلى اليوم وعلى رأسه ترامب بهزيمته في الانتخابات الرئاسية الماضية، ولم يكن الهجوم على الكابيتول يوم الإعلان عن نتائج هذه الانتخابات إلا تعبيرا عن حدة هذا الصراع، ولكن الصراع على مسائل حياتية يومية يمكن أن يُترك للحرية الشخصية، مثل الحق في الإجهاض، أو تُدار بحوار مجتمعي عقلاني، مثل الحق في حمل السلاح والخاص بقضايا الاقتصاد والبيئة..

هو صراع في الحقيقة بين أمريكتين، إحداهما صنيعة الإنجيلية البيضاء التي تشد بها إلى الوراء، وأخرى نتاج تلك الخيمياء أو "الملتين بوت" الذي تتفاعل وتنصهر داخله أقليات عرقية وثقافية متنوعة، ربما صنعت أجمل ما في تاريخ أمريكا الحديث، من أدب وموسيقى شجية، تدفع بها نحو الأخذ بمقتضيات العصر والتوجه نحو مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين من موقع المواطن المسؤول لا من موقع القطيع الذي يتم حشده بالأهواء ونعرات التعصب وبالخرافة أو بما يشبهها.

ما نحن بصدده إثارة قرار المحكمة العليا الأمريكية إبطال حكم صادر العام 1973 يتيح للمرأة الأمريكية الإجهاض، وقد جاء إبطال هذا الحكم بعلة أن الدستور الأمريكي لا يتضمن، من بين أحكامه، حرية ممارسة الحقوق الإنجابية من طرف المواطنة الأمريكية.

وفي الواقع أن هذا القرار الذي أعلنته المحكمة العليا الأمريكية التي تتشكل من أغلبية جمهورية هو قرار سعى إليه الإنجيليون البيض منذ خمسين عاما، وتبنّاه في نسخته السياسية الحزب الجمهوري على مدى هذه العقود الخمس الأخيرة، كما شكل بندًا قارًا في البرنامج الانتخابي للرؤساء الجمهوريين الذين تداولوا على السلطة، مثل جورج بوش الأب وآخرهم دونالد ترامب، الذي وعد بإلغاء قانون إباحة الإجهاض..

يمكن القول إن نهاية الحق في الإجهاض هو من العلامات البارزة لتحول الديمقراطية الأمريكية أو انتكاستها إلى تيوقراطية مَكينة تستلب حق الملايين من الأمريكيات في التصرف في أجسادهن وفي خياراتهن الشخصية في عدم تحمل الأعباء النفسية والاقتصادية والاجتماعية لحمل غير مرغوب فيه أو جاء في غير وقته أو كان من نتائج عنف جنسي واغتصاب.

إن الإنجيلية البيضاء، بمكوّنها الأساسي المتمثل في فكرة تفوق البيض العرقي، تجاوزت منذ سنوات بُعدها الدعوي التبشيري العنصري لتتحول إلى قوة فاعلة في المشهد السياسي بائتلافها مع الحزب الجمهوري ودعمها المعنوي والمادي له، وقد يكون ضرب الحق في الإجهاض مقدمة لضرب مزيد من الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين الأمريكيين، وخطوة أخرى لا فقط لإضفاء هذا الطابع التيوقراطي على الحياة السياسية، بل للذهاب بها نحو شكل من الاستبداد تتولى أمر مأسَسَته هيئة دستورية عليا، مثل المحكمة العليا..

هذه المحكمة التي لعبت طيلة عقود من تاريخ إنشائها دورا بارزا في منح الحقوق المدنية، من خلال دراسة وتقييم دستورية القوانين أو الفصل في القضايا التي تُقيد هذه الحقوق، وها هي تُسبغ مشروعية وقانونية على مطلب يميني ديني، بسبب تركيبة غالبية أعضائها من الجمهوريين الذين تولى تسمية بعضهم دونالد ترامب.

إن هذين التوجهين الحاليين للمشهد السياسي الأمريكي، التقدم نحو غلبة الطابع التيوقراطي والاستبدادي في إدارة الشأن العام، ليسا إلا مؤشرين واضحين عن انتكاسة تجربة ركب من أجلها ألكسيس دو توكفيل أهوال البحر، إلا أنها انتكاسة لا يملك الرئيس الحالي جو بادن الكثير من الصلاحيات ولا من النفوذ لإيقافها، إذ يمكن لأقلية في مجلس الشيوخ تمديد مناقشة أي قانون إلى أجل غير مسمى لمنع التصويت عليه، إلا أن هذه المماطلة أو هذا التعطيل يتطلب ثلثي المقاعد للتغلب عليه، ولم تعد الأغلبية كافية في مثل هذه الحالة..

ولقد سبق أن باءت محاولة الديمقراطيين في تقنين إباحة الإجهاض دستوريا بالفشل، بسبب تعطيل الجمهوريين، كما تم تعطيل، خلال شهر يناير الماضي، محاولة تمرير قانون يوفر حماية أفضل لحقوق التصويت، كما أن للمحكمة العليا سلطة على المراسيم الرئاسية، إذ يمكن لها أن تلغي، مثلًا، قرارا لبايدن بتضمين حق الإجهاض في الدستور، وذلك بسبب الاختلال غير المسبوق في ميزان القوى لصالح المحكمة العليا ذات التوجه اليميني.

سلطتان متنافرتان تديران الشأن العام في أكبر دولة "ديمقراطية"؟

الأقرب إلى الواقع هو ما شبه به أحد المحللين السياسيين أمريكا اليوم: قطار تقوده قاطرتان، تجر كلٌ منها العربات في الاتجاه المعاكس، واحدة إلى الأمام والأخرى إلى الخلف.. ما سيحدث أن العربات سينفصل بعضها عن البعض، وبسبب خطوط الصدع الدينية والسياسية بين أمريكيتين، يتساءل بعض المحللين إن لم تكن القوة الأولى في العالم أقرب إلى التمزق المجتمعي والسياسي، بحيث سنشهد على مدى الفترة القليلة القادمة هيئتين سياسيتين، حتى لا نقول دولتين أو ما يشبه ذلك، تمتد الكتلة التقدمية الممثلة للأولى على الساحل الغربي من البلاد تُضاف إليها منطقة الساحل الشرقي وبعض الولايات المتناثرة، فيما تتركز الكتلة اليمينية المحافظة بين المحيطين.

ألم يقل بايدن أن يوم إبطال قانون 1973 الخاص بالحق في الإجهاض هو يوم نذير شؤم ومؤلم للقلب؟

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com