البرلمان الأوروبي
البرلمان الأوروبيرويترز

منقسم وغير متجانس.. لماذا يثير صعود اليمين المتطرف مخاوف الأوروبيين؟

لا يُخفي متابعون للشأن السياسي في مختلف الدول الأوروبية مخاوفهم من صعود اليمين المتطرف رغم أنّ نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي لا تمنحه الأغلبية، ولا حتى رُبع مقاعد البرلمان.

الحديث عن اليمين المتطرف وفرضيات صعوده والمقاعد التي من المحتمل أن يحصل عليها بدأ قبل أشهر من إجراء الانتخابات الأوروبية التي انتهى التصويت فيها الأحد الماضي، لكن دون تقديم توضيحات عن "خطورة" هذه الخطوة وتداعياتها الفعلية على صنع السياسات الأوروبية وتوجهات الاتحاد الأوروبي في السنوات الخمس المقبلة، حتى بدا أنّ الأمر أقرب إلى "فزاعة" تعتمدها "الأحزاب التقليدية" المسيطرة على المشهد السياسي في الاتحاد الأوروبي ومؤسساته.

اليمين أم اليمين المتطرف؟

واستنادا إلى النتائج شبه النهائية لانتخابات البرلمان الأوروبي فإن نصيب أحزاب وتيارات اليمين المتطرف سيكون 176 مقعدًا أي أقل من 25 % من مجموع مقاعد البرلمان البالغ عددها 720 مقعدًا.

لكن الخطورة تكمن في فرضيات التحالف التي قد ينشئها اليمين المتطرف داخل البرلمان، وإذا أضيف إلى 176 مقعدًا التي حصدها اليمين المتطرف المقاعد التي فازت بها أحزاب اليمين مجتمعة، بمختلف درجاتها (من يمين الوسط واليمين السيادي إلى اليمين المتطرف) يصبح عدد المقاعد 362 مقعدًا من أصل 720 ما يمنح هذه العائلة السياسية الأغلبية المعطّلة داخل البرلمان.

لكن من غير المرجح أن تتمكن هذه القوى غير المتجانسة وغير المنظمة من تشكيل ائتلاف مستقر لوضع تصورات مشتركة طيلة السنوات الخمس المقبلة، أو التصويت لمرشح موحد لرئاسة المفوضية.

أخبار ذات صلة
بعد صعود اليمين المتطرف.. كيف سيتبنى الأوروبيون قراراتهم في "برلمان منقسم"؟

ومن الناحية العملية أصبح انحراف البرلمان الأوروبي يمينا، الذي تنبأت به استطلاعات الرأي اليوم حقيقة، وتمنح نتائج الانتخابات اليمين المتطرف هامشا أكبر للحصول على رئاسة بعض اللجان البرلمانية وإعلاء صوته بخصوص جملة القضايا المطروحة للنقاش داخل البرلمان، لكنه لن يكون معطّلا لأي من التشريعات التي يجري التصويت عليها إلا إذا تحالف مع كامل مكونات العائلة اليمينية، وهذا ما يبدو شبه مستحيل.

وإضافة إلى هذا المعطى فإنّ اليمين المتطرف ذو مكونات غير متجانسة وغير قابلة للتحالف، أو ربما هو معرض لمزيد من الانقسمات التي بدأت أصلًا قبل الانتخابات، بعد "طرد" حزب "البديل من أجل ألمانيا" من كتلة "الهوية والديمقراطية" داخل البرلمان بسبب مواقفه عن النازية "غير المقبولة" من جانب نواب الكتلة.

وحقق "البديل من أجل ألمانيا" 17 مقعدًا في البرلمان الجديد، لكنه يبقى "منبوذًا" من اليمين المتطرف التقليدي واليمين الشعبوي، ويُصنف نوابه اليوم ضمن النواب غير المنتمين إلى كُتل، ما يعني عزله وإضعاف فاعليته.

مزاج شعبي رافض

ومن المفارقات أن أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تحقق تقدمًا في نتائج الانتخابات التي تخوضها على امتداد السنوات الماضية، لكنها لا تجد السند الشعبي اللازم، وخاصة في ألمانيا، إذ لم تتوقف المظاهرات الاحتجاجية الرافضة للخطاب المتطرف لحزب "البديل من أجل ألمانيا" منذ أشهر، ما يثير تساؤلا "من هم ناخبو اليمين المتطرف؟ وما مدى اتساع قاعدته الشعبية"؟

والإجابة عن هذا التساؤل حملتها استطلاعات الرأي التي سبقت انتخابات البرلمان الأوروبي وأكدتها عملية التصويت، إذ يراهن اليمين المتطرف على فئة الشباب الميّال إلى "أفكار وأساليب عمل جديدة" ربما افتقدتها القوى السياسية التقليدية التي دأبت على اكتساح المشهد، فضلا عن مراهنته على قضايا مثل الهجرة والحريات واعتماد مبدأ التخويف من الآخر والدفع نحو سياسات أكثر انغلاقا في ما يتعلق بالهجرة.

وحتى في فرنسا، التي أحدث فيها صعود اليمين المتطرف زلزالا سياسيا ودفع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى خلط كامل الأوراق وحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، فإنّ المزاج العام لا يؤيد اليمين المتطرف تأييدا مطلقا، ويذهب أكثر من نصف الفرنسيين إلى اعتبار أن قرار ماكرون صائب، وتتجه أحزاب اليسار إلى إنشاء جبهة موحّدة لخوض الانتخابات التشريعية القادمة والتصدي لصعود اليمين، ما يعني أنّ هناك حراكًا سياسيًّا وشعبيًّا يتجه في غير الاتجاه الذي يسير فيه اليمين المتطرف.

واستنادًا إلى هذه الاعتبارات فإنّ التحذير من صعود اليمين المتطرف لا يعدو أن يكون تنبيهًا لخطورته على المدى البعيد، واحتمال تقدمه بنفس هذا النسق وهذه الخطوات، ما قد يمنحه بعد سنوات الأغلبية المريحة التي تمكّنه من الحكم داخليًّا وفرض رؤيته الخالصة على سياسات الاتحاد الأوروبي خارجيًّا.

logo
إرم نيوز
www.eremnews.com