رغم تعدد الإستراتيجيات.. مشكلة إدمان الكحول في إيران بدون حل

رغم تعدد الإستراتيجيات.. مشكلة إدمان الكحول في إيران بدون حل

المصدر: حنين الوعري- إرم نيوز

ما زالت السلطات الإيرانية تعاني من تنامي أعداد مدمني الكحوليات في البلاد حتى بعد توجيهها لمؤسساتها الصحية للتعامل مع الحالات من ناحية طبية وتخفيف الجانب الأمني من العقوبات بحقهم.

ووفق القانون المحلي الساري منذ الثورة الإيرانية عام 1979، فإن تداول وتعاطي الكحوليات مجرم ومحظور، لمخالفته الشريعة الإسلامية، إلا أن ذلك لم يحد من أعداد متعاطي هذه السلعة بل زاد تناميها بصورة الإدمان في الخفاء.

وعندما أمرت وزارة الصحة مراكز علاج الإدمان برعاية المدمنين على الكحول في عام 2015 ،افتتحت العشرات من العيادات الخاصة والمؤسسات الحكومية مكاتب للمساعدة ودوائر خاصة للمدمنين على الكحول. كما سمحت الحكومة بإنشاء شبكة كبيرة ومتزايدة من المجموعات التابعة لمنظمة مدمني الكحول المجهولين ”Alcoholics Anonymous“ على غرار تلك الموجودة في الولايات المتحدة.

وسمح هذا التخفيف في قانون حظر المشروبات الكحولية للمدمنين بالخروج من الظلال ودخول دائرة جديدة من الأصدقاء من مدمني الكحول المتعافين.

وقال مدمن كحول تعرض للتعذيب لسنوات في مراكز الشرطة، لصحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، طالبًا عدم الكشف عن هويته، بسبب وصمة العار التي لا تزال مرتبطة بمدمني الكحول في إيران: ”لقد توقفت عن شرب الكحول منذ 12 يومًا الآن. هذه خطوة كبيرة لشخص كان في حالة سكر معظم الوقت“.

وتقوم الحكومة بحملات عامة تحذّر فيها الإيرانيين من القيادة تحت تأثير المشروبات الكحولية وهو أمر لم تكن لتفعله في الماضي.

تبدل في الموقف

وعلى طول الطرق المؤدية إلى بحر قزوين الذي يعد وجهة مفضلة لقضاء العطلات، تفاجئ لوحات الإعلانات التي تظهر زجاجات ويسكي وسيارات محطمة العديد من السائقين. فيما لا تزال الشرطة الإيرانية تنظم أحداثًا إعلامية تقوم فيها الجرافات بسحق آلاف الزجاجات والعلب المصادرة من المهربين، لكن على النقيض من الماضي عندما كانت الحكومة الإيرانية تصرّح أن البلاد لا تعاني من مشكلة شرب الكحوليات لأن لا أحد يشربها، بدأت الحكومة توفر الآن أجهزة فحص النفَس للسائقين تحت تأثير الكحول.

بدوره، حاول الرئيس حسن روحاني الذي تسلّم السلطة في عام 2013، إدراج الواقعية في أيديولوجية إيران الصارمة في كثير من الأحيان. وجاء قرار فتح المزيد من عيادات علاج الكحول من وزارة الصحة خلال إدارته، ويعكس آلية إدخال تغييرات اجتماعية في إيران من خلال الأمر بها بهدوء، وتنفيذ الحكومات المحلية لها تحت المراقبة.

ويعود التغيير في موقف السلطة إلى تغيّر الحقائق في المجتمع الإيراني. وتظهر الإحصاءات الرسمية أن 10% على الأقل من السكان يشربون الكحول في الجمهورية الإسلامية. وبالنسبة لبعض الطبقات الوسطى الحضرية في البلاد أصبح شرب الكحول أمرًا طبيعيًا كما هو الحال في الغرب.

وأفادت وسائل الإعلام الإيرانية أن هؤلاء الإيرانيين الذين يشربون يميلون إلى القيام بذلك أكثر من الناس في البلدان المعروفة بشرب سكانها له بكميات كبيرة مثل روسيا وألمانيا.

ومن أسباب انتشار الإدمان على المشروبات الكحولية سهولة شرائه نسبيًا؛ حيث يوجد مزودين للكحول باستطاعة أي أحد الاتصال بهم ويقومون بتسليم كل ما يطلبه المرء إلى عتبة منزله، ويحصل التجارعلى  بضائعهم من خلال شبكة توزيع غير قانونية واسعة تخدم الملايين من الأفراد بعد إدخالها للبلاد عن طريق العراق المجاور.

الحظر غير المجدي

وإلى حد ما، يقود توافر الكحول بكثرة التغييرات في المواقف الرسمية للحكومة؛ حيث قال رضا كونجيدي البالغ من العمر 36 عامًا وهو مدمن سابق على الكحول يديرعدة مجموعات دعم تابعة لمنظمة مدمني الكحول المجهولين في طهران: ”في هذه الأيام تتوفر الكثير من المشروبات الكحولية ومعاقبة الجميع واستخدام القوة لم يعد مثمرًا. كان ينظر لشرب الكحوليات وبيعها بشكل غير مشروع على أنها جرائم متكافئة يتعرض إزاءها الناس للجلد لكونهم مسيئين. الآن أصبح مسؤولو الأمن والبلدية ينظرون إلى مدمني الكحول على أنهم مرضى يحتاجون للعلاج وليس كمجرمين“.

وقبل الثورة، كان المشروب الوطني الإيراني المنتشر هو ”ساجي“  أو ”روح الكلاب“، التي يتم تقطيره من الزبيب ويتكون بنسبة 65٪ من الإيثانول، ولا يزال هذا المشروب يلقى شعبية واسعة.

ويعد بيع الكحوليات بشكل غير شرعي مشكلة كبرى أيضًا، حيث يموت عشرات الأشخاص من التسمم بالكحول سنويًا بعد استهلاكهم مشروبات كحولية منخفضة الجودة.

وفي عام 2013 مات 135 شخصًا من التسمم وهي آخر سنة تتوفر فيها إحصائيات حول المسألة.

وفي تموز/ يوليو، بعد وفاة ثلاثة أشخاص وتسمم العشرات في مدينة سيرجان، قام رئيس شرطة سابق بنشر رسالة مفتوحة تدعو إلى إنهاء تحريم الكحول.

التوعية وعلاج الأزمة

وقام كونجيدي بإحضارالكثير من المدمنين إلى المجموعة بعد قضائه ما يقرب من عقد من الزمن، وهو يقع في مشكلات مع رجال القانون. وقال بعضهم إنهم كانوا يشربون لنسيان ”مشاكلهم المالية ”. وأضافوا أن ”الاقتصاد ليس جيدًا هنا. كلما شعرنا بالضغط، كنا نجلب زجاجات ونشربها“.

وأشارت سامين زوجة كونديجي التي التقت به في إحدى هذه المجموعات، أنها كانت بحاجة لحضور اجتماعين في اليوم لمنعها من شرب زجاجة. وقالت: ”إن اللقاءات تلك دواء لحالتي، كنت بحاجة مستمرة لجرعة لعلاج مرضي“.

وبحسب كونديجي ترعى المجموعات التابعة لمنظمة مدمني الكحول المجهولين ومجموعة أخرى هي  ”Aware Anonymous“ مجموعات في أنحاء إيران، وتوجد العشرات من هذه المجموعات في طهران وحدها وأكثر من 1000 في أنحاء البلاد.

وقبل أسبوع تقريبًا، حضرت صحيفة ”نيويورك تايمز“ قرابة الساعة 7 صباحًا اجتماعًا لمجموعة من منظمة مدمني الكحول المجهولين في مبنى للبلدية في الجزء الغربي من المدينة. وبجانب الغرفة التي وفرت مجانًا كانت توجد حضانة ومساحة لحصص تعليم القرآن. وبالداخل كان هناك 15 رجلاً وامرأة يلتقون بشكل يومي تقريبًا لمساعدة بعضهم على الامتناع عن شرب الكحول.

وقال كونجيدي: ”الحكومات المحلية عبر الدولة تطلب المساعدة والتسهيلات لجماعاتها، لأنها ترى بأن عملنا فعّال“.

والأمر الوحيد المفقود هو التصريح الرسمي لهذه الأنشطة، وأوردت الصحيفة أن بعض الإيرانيين وخصوصًا في المدن الكبيرة ينظرون إلى الكحول كأمر عادي جدًا؛ ففي الفترة الماضية، قام ثمانية إيرانيين بالتجمع على سطح مبنى، وقاموا بشرب النبيذ الأحمر والفودكا والعرق بكل حرية.

وقال أحد المدعوين إنه تعرض للاعتقال مؤخرًا بسبب القيادة تحت تأثير الكحول، وإنه الآن ينتظر تنفيذ حكم الجلد فيه. وقال آخر إنه، مثله كآخرين كثر، يعاني من مشاكل في الكبد بسبب الشرب المتكرر للكحول. ثم بدأ بعضهم بطرح النكات على أنهم مدمنو كحول.

إلى ذلك، قال السيد كونجيدي بأنه رأى تزايدًا في أعداد الناس الذين يعانون من مشاكل الكحول عبر السنوات، فمنذ عقد مضى كان هو نفسه متشردًا ويشرب الكحول بكثرة. وأضاف: ”نحتاج المزيد من لافتات التوعية، المزيد من الجماعات للمساعدة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com