قصة الرسالة التهديدية المشفرة التي بعثها بوتين لترامب من خلال ملفات مقرصنة لشركة بدبي

قصة الرسالة  التهديدية المشفرة  التي بعثها بوتين لترامب من خلال ملفات مقرصنة لشركة بدبي

المصدر: إرم نيوز - خاص

أظهر تحقيق استقصائي  استخباري أن التدافع بين واشنطن وموسكو في الملف السوري خلال الأسبوعين الماضيين، على خلفية ضربة الكيماوي لبلدة خان شيخون والرد الأمريكي بقصف باليستي لمطار الشعيرات، هذا التدافع لم يقتصر على التلاسن الإعلامي والسياسي المنشور على الهواء، بل تعداه الى استعراضات مخابراتية في اختراق الأجهزة الأمنية ونشر تقارير بأسلوب يحمل رسائل غاية في السريّة والتعقيد.

فبعد ستة أيام من قيام قراصنة محترفين بنشر ملفات تظهر أن وكالة الأمن القومي الأمريكية سعت لمراقبة تدفقات نقدية عبر شبكات شركتين للتحويلات المالية، إحداهما مقرها دبي، فقد تكشف أن الموضوع يتجاوز مجرد الاختراق الإلكتروني وأنه في حقيقته رسالة مخابراتية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رداً على الضربة البالستية التي أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بتوجيهها لمطار الشعيرات السورية، وأن مادة الاستعراض كانت ملفات مالية  مقرصنه من شركة في دبي، نفت من جانبها أن تكون سيرفراتها تعرضت للاختراق.

الرسالة الغامضة

التقييم الأمني لعملية الملفات الأمريكية المقرصنة، نشره موقع ديلي بيست، استناداً لتقديرات مسؤولين كبار سابقين في أجهزة المخابرات أو خبراء في أمن المعلومات، انتهوا إلى أن العملية بتفاصيلها الفنية يراد منها توصيل رسالة مباشرة من الكرملين بأن لهم عميلًا كبيرًا في مكان ما من المخابرات المركزية أو وكالة الأمن القومي، حيث إن مثل هذا التقرير لا يمكن أن يتسرب إلا من خلال عميل متغلغل بالأجهزة الأمريكية.

وقال التقرير إن مثل هذه الرسالة الضمنية التي بعث بها بوتين من خلال الوثيقة المنشورة، هي رسالة غير معهودة ، حيث إن أياً من أجهزة المخابرات ليس من صالحه، في الظروف العادية، أن يستعرض وجود عملاء له في أجهزة أخرى. ولذلك فان القصة تحتمل المتابعة.

مجموعة ”وسطاء الظل“

يوم الجمعة قبل الماضي نشر قراصنة يسمون أنفسهم ”وسطاء الظل“ وثائق وملفات قال خبراء في الأمن الإلكتروني إنها تظهر بأن وكالة الأمن القومي الأمريكي قامت بمراقبة تدفقات نقدية عبر شركتين في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية معروفتين كمكتبي خدمة مالية يساعدان عملاء ”سويفت“ في الدخول إلى نظام التحويلات العالمي.

وكالة الأمن القومي الأمريكي التزمت الصمت بشأن الوثائق، لكن البيانات التي كشفت عنها جماعة ”وسطاء الظل“ دفعت فرقاً لأمن البنوك إلى العمل في عطلة عيد الفصح، يوم الاحد التالي، لمعرفة المزيد عن عمليات أهداف تلك القرصنة الغريبة.

جمعية ”سويفت“ العالمية (المعروفة باسم جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك)، قالت إنها طلبت من مكتبي الخدمة، شركة ايست نت ومقرها دبي، وبزنيس كمبيوتر جروب في بنما، معلومات بشأن مدى كفاءة احتياطاتهما الأمنية. وذكرّت سويفت المكتبين بضرورة إبلاغ عملائهما وإجراء الفحوص الإضافية للتهديدات واتخاذ كل الإجراءات الوقائية.

ايست نتس تنفي

شركة ايست نتس المتخصصة في مجال حلول الدفع الإلكتروني وحماية الأنظمة للمؤسسات المالية والحكومية في الشرق الأوسط (مقرها دبي ولها مكاتب في الولايات المتحدة) قالت إنه لا صحة لتلك المزاعم، وإنها راجعت شبكتها ولم تجد أدلة على هجوم إلكتروني أو ثغرات أمنية.

ونقل موقعها الإخباري عن الرئيس التنفيذي حازم ملحم أن ”وحدة الأمن الداخلي لشركة ايتس نت أجرت فحصاً كاملاً لخوادمها ولم تجد أي اختراق من جانب قراصنة أو أي نقاط ضعف“.

وقد بقي الموضوع في حدود القرصنة العادية، إلى أن نشر موقع ديلي بيست، يوم الجمعة الماضي، تحقيقاً استقصائياً يُظهر أن الموضوع أكبر من ذلك وأنه يندرج في نظاق الرسائل الاستعراضية الخفيّة بين الرئاستين الروسية والأمريكية، كجزء من تداعيات القصف الكيماوي والباليستي في سوريا.

التحقيق ينقل عن خبراء بأن مجموعة ”وسطاء الظل“ لم تعلن أنها واحدة من الأذرع الإلكترونية الخفية للمخابرات الروسية، لكن طبيعة ما نشرته يوم الجمعة قبل الماضي يتطابق مع الوثائق المقرصنة التي كان يجري تسريبها أيام حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ومعروف أن مخابرات الكرملين كانت ابتدعت مؤسسات وهمية مثل دي سي ليكس، والقرصان الروماني المعروف باسم ”غوسيفر 2.0.

رسالة تقريع لترامب

وكان ملفتاً أن عملية تسريب وثائق الأمن القومي الأمريكي، جاءت مرفوقة برسالة مطولة مفتوحة، موجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعترض على القصف الأمريكية لمطار الشعيرات السوري. وتتضمن الرسالة إشارات تقريع تقول إن الذين انتخبوا ترامب اكتشفوا الآن أنه خدعهم.

لكن الذي آثار حيرة المحللين هو أن مجموعة ”وسطاء الظل“ نشرت من وثائق ”وكالة الأمن القومي“ وثائق ومحتويات ديسكات موسومة بـ“سري جداً“ ليست من الفئة القابلة للقرصنة الإلكترونية والتي دأبت ويكيلكيس على نشرها.

اسم القرصان

وتتضمن هذه التسريبات تفاصيل تعود إلى عام 2013، أسمتها وكالة الأمن القومي الأمريكي ”جيب فلي ماركت“ وفيها عملية اختراق ”عميق“ لشركة ”ايست نتس“ التي تتعامل مع عدد من بنوك الشرق الأوسط، وهو أمر يحظى باهتمام المخابرات الأمريكية، كما يقول التحقيق.

شركة ايست نتس نفت صحة ذلك، لكن مجموعة ”وسطاء الظل“ زادت على ذلك – كما يقول التقرير – بأن نشرت الاسم الكامل لموظف في الأمن القومي الأمريكي (عمره 35 سنة) يعمل في سان انطونير، يبدو أنه ذو صلة بعملية الاختراق.

وقال التقرير إن موظفي وكالة الأمن القومي الأمريكية العاملين في الخارج لا يحظون بالحصانة الدبلوماسية التي يحظى بها موظفو المخابرات المركزية. ومجرد أن تبدأ موسكو بنشر الاسماء كاملة للعملاء، يعني أن التدافع المخابراتي ارتقى إلى مرحلة جديدة حرجة، أو ربما أن خطأ ما حصل في ترتيبات النشر، حيث إن ويكيلكس تحذف الاسماء من وثائقها المسربّة.

ولاحظ التقرير أن طبيعة هذه البيانات وتشكيلها الفني، ليس من  عادة وثائق ويكيلكس، وإنما هو طريقة أخرى يراد معها توصيل رسالة بأن هناك عميلًا روسيًا مزروعًا في مكان من المخابرات المركزية أو وكالة الأمن القومي، حسب تقديرات المحلل الأمني في شركة ”الكربون الأسود“ اتريك اونيل الذي كرر القول :“بكل المعاني، تتضمن التسريب رسالة روسية مفادها أن لنا عميلًا في موقع مؤثر ضمن المنظومة الاستخبارية الأمريكية، أو في البيت الأبيض“.

ويخلص التحقيق الاستقصائي إلى أن ما حصل الأسبوع الماضي هو رسالة مخابراتية ذات طابع شخصي من بوتين إلى ترامب في سياق تداعيات الاستعراض العسكري بسوريا، لكن مضمون الرسالة يبقى غير واضح :“لماذا تريد موسكو أن تقول إن لنا عميلًا داخل مخابراتكم أو في البيت الأبيض“؟ لم يعط التقرير جوابًا قاطعًا على هذه اللعبة الاستخبارية المعقدة بانتظار الخطوة التالية التي يمكن أن تصدر عن مجموعة ”وسطاء الظل“ في سياقات الملف السوري المتدحرج.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com