كيف يدفع الأكاديميون الأتراك ثمن الصراع على السلطة؟

كيف يدفع الأكاديميون الأتراك ثمن الصراع على السلطة؟

المصدر: مهند الحميدي- إرم نيوز

بعد انقلابٍ فاشلٍ كاد يطيح بالحكومة التركية، منتصف تموز/يوليو 2016، لم تسلم المؤسسة التعليمية، والجامعات بشكل خاص، من تبعاته، ليقع الأكاديميون والأساتذة الجامعيون ضحية للتحولات السياسية في تركيا الجديدة، ويدفعون ثمن الصراع على السلطة.

وبعد أن طالت حملة التطهير المكثفة، في ظل حالة الطوارئ، عقب المحاولة الانقلابية، الآلاف من الأساتذة الجامعيين، سواء عبر الاعتقال أو النقل والفصل، يتخوف حقوقيون من انعكاس ذلك على سير العملية التعليمية.

انتحار أكاديميين

وحملت مرحلة ما بعد الانقلاب الكثير من المآسي لشريحةٍ تحظى بقسطٍ وافرٍ من الاحترام في المجتمع التركي؛ وفي آخر تلك الحوادث المأساوية، أقدم أكاديمي على الانتحار بإلقاء نفسه من الطابق العاشر لمستشفى أتاتورك للبحث العلمي في جامعة ”كاتب شلبي“ في مدينة أزمير، غرب البلاد؛ وقالت صحف معارضة، اليوم الإثنين، إن الانتحار كان بسبب ”إصابته بأزمة اكتئاب نتيجة فصله من عمله بقرارات حالة الطوارئ“.

وكان الدكتور أورهان جتين (30 عامًا) الذي يعمل مساعدًا في قسم الكيمياء الحيوية في المستشفى، فُصل من عمله يوم الجمعة الماضي.

حادثة انتحار جتين لا تُعدّ الأولى من نوعها، إذ شهدت مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل وقوع عشرات الحالات المشابهة.

التدريس في الحدائق العامة

وفي حادثة من نوع آخر، أثار أستاذ جامعي تعاطف الكثير من المواطنين، بعد إقدامه على إلقاء محاضرة أخيرة لطلابه، الذين رفضوا التخلي عنه وقدموا له الكثير من الدعم، في إحدى حدائق إسطنبول بعد طرده من جامعة ”بهجة شهير“.

وكان أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق، البروفيسور سهيل باتوم، فُصِل من وظيفته، في إطار حملة التطهير، ليشارك في محاضرته الأخيرة في الحديقة العامة العشرات من طلابه، بالإضافة إلى شخصيات عامة؛ منهم رئيس نقابة محاميّ إسطنبول، المحامي محمد دوراك أوغلو.

الجامعات التركية وتبعات المحاولة الانقلابية

وشهدت مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل، فصل أكثر من 1500 أستاذ جامعي، بالإضافة إلى طرد أكثر من 15 ألفًا من موظفي وزارة التربية.

ويرى أكاديميون أتراك أن حملة التطهير التي اتخذت منحًى آخر في بعض مراحلها لتطال الجامعات، تنصب ضمن طموحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإسلامية، الذي كان يتزعمه قبل وصوله إلى القصر الرئاسي، وما زال يملك نفوذًا واسعًا فيه، الرامية إلى أسلمة مرافق الدولة، وإنهاء علمانيتها.

وتُعدّ الجامعات التركية من معاقل النهج العلماني الذي أرسى دعائمه الزعيم التركي الراحل، مصطفى كمال (أتاتورك) في عشرينيات القرن الماضي، ولطالما كانت تتمتع باستقلالية نسبية على غرار المؤسسة القضائية على مدى عقود خلت.

في حين يتخوف أكاديميون من تبعات التضييق على الجامعات وانعكاس ذلك على سير العملية التعليمية، ومناهج التدريس، القائمة على العلمانية، مقابل التوجه الجديد لتمجيد الإرث العثماني، وإحياء الدراسات الإسلامية، وهو ما بدأ أردوغان العمل به بشكل عملي في الأعوام الأخيرة، ولو على نطاقٍ محدودٍ.

اتهامات

واستثمر أردوغان الانقلاب الفاشل لتطهير الجامعات، عبر توجيه الاتهام لأساتذة جامعيين، بدعم حركة ”خدمة“ التابعة لشيخ الدين المعارض، محمد فتح الله غولن، المتهم الأول بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل، بذريعة تغلغل الحركة في الجامعات، ووجود الآلاف من الأكاديميين الداعمين لنهج غولن.

ولا تُعدّ  حملة التطهير، الأولى من نوعها، إذ سبق أن مارس أردوغان ضغوطات على الجامعات، منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية، عام 2013، وتصاعدت حدة الخلاف مع الأكاديميين، عقب توقيع الآلاف منهم لعريضة تنتقد الحل العسكري، وتطالب بوقف الحرب العرقية، بين القوات الحكومية، ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، التي اندلعت منذ أكثر من عام، ما تسبب بفصل الكثير منهم، آنذاك.

ولم تقتصر حملة التطهير على أكاديميي الداخل، بل طالت البعثات الجامعية الخارجية، في ظل قلق أساتذة جامعيين من كون الحملة الأخيرة، صبغت بصبغة رسمية، مدعومة بتأييد شعبي، في ظل سكوت الأحزاب الرئيسية المعارضة، بعد تقاربها مع الحزب الحاكم، وغياب وسائل الإعلام المعارضة، التي تعرضت في وقت سابق لحملات إغلاق ومصادرة.

ولطالما تمتع الأساتذة الجامعيون، في تركيا، بمعاملة خاصة، تجلت في منحهم صلاحيات مسؤولي الدولة، وتمييز جوازات سفرهم بلون مغاير عن جوازات المواطنين، بالإضافة إلى الكثير من الميزات المادية والمعنوية الأخرى، واستقلال الرأي.

يُذكر أن تركيا تضم حوالي 109 جامعات حكومية، بالإضافة إلى حوالي 84 جامعة خاصة.