الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الصيني شي بينغ
الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الصيني شي بينغرويترز

الصين تضع أمريكا أمام خيارات صعبة في آسيا

قال تقرير لمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، إن الولايات المتحدة واجهت خيارات صعبة تتعلق  بدورها المستقبلي في آسيا، خاصة مع ازدياد قوة الصين في القارة، وهو ما دفع واشنطن لمضاعفة "جهودها المكلفة" لمحاولة الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في المنطقة.

ورأت المجلة أن البديل عن ذلك هو الاعتراف بدور الصين التي ستلعب، حتمًا، دورًا عسكريًا متناميًا هناك، وتستخدم مواردها المحدودة لموازنة القوة الصينية، وتسعى إلى منع الهيمنة الإقليمية الصينية دون الحفاظ على هيمنتها الخاصة.

وقالت الصحيفة إن الرؤساء الأمريكيين باراك أوباما، ودونالد ترامب، وجو بايدن، ركزوا على تحقيق "التفوق" ضد الصين، على حد تعبير مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية آنذاك الذي قال، في بداية العام 2023، إن الولايات المتحدة سعت إلى الاحتفاظ بالتفوق العسكري كهدف شامل لسياسة الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

لكن في المقابل تقول الصحيفة، إن إستراتيجية بايدن اختلفت عن إستراتيجية أسلافه لتحقيق هذا الهدف فقد أدرك وفريقه أن ثمن الحفاظ على الهيمنة العسكرية الأمريكية في المنطقة، أصبح غير مستدام سياسيًا وعمليًا، وبالتالي سعى بايدن إلى بناء تحالف من الحلفاء والشركاء لتحمل بعض التكاليف في ذلك.

وأردفت المجلة: "ففي السنوات الثلاث الماضية، على سبيل المثال، نجحت إدارة بايدن في الوصول إلى قواعد عسكرية إضافية في الفلبين، وأنشأت آليات ثلاثية جديدة لتبادل المعلومات الاستخبارية مع كوريا الجنوبية واليابان، وصياغة اتفاقية أمنية خاصة لتبادل تقنيات عسكرية متقدمة مع بريطانيا وأستراليا والتي تشمل بناء غواصات تعمل بالطاقة النووية، وحملت الاتفاقية اسم "أوكوس"، في محاولة  لمواجهة النفوذ الصيني."

أخبار ذات صلة
الصين تستدعي سفير الفيليبين بعد تصريحات بشأن انتخابات تايوان

ورأت المجلة أنه، على الرغم تحقيق بعض النجاحات، فإن التقدم الإجمالي الذي أحرزه بايدن نحو بناء التحالف المطلوب كان بطيئًا.

واعتبرت المجلة أن الولايات المتحدة لا تزال تفتقر إلى القدرة العسكرية على الوصول إلى أجزاء مهمة من آسيا، وتفتقر إلى بنية أمنية قوية تقودها الولايات المتحدة وإلى ما  يكفي من الحلفاء والشركاء المسلحين تسليحًا جيدًا للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة هناك .

كما اعتبرت أن الأسوأ من ذلك هو عدم وجود " طريقة واضحة لمعالجة نقاط الضعف هذه. "

وعزت الصحيفة هذا إلى "الجغرافيا البحرية" لآسيا والتي تعمل على تقليل التهديد الذي تشكله دول المنطقة من الصين، مما يقوض، بشكل أساس، مشروع بايدن لبناء هكذا تحالف.

وشددت المجلة على أن المكاسب المحدودة التي حققتها إدارة بايدن تعكس حقيقة أساسية لا يفضل كثيرون في واشنطن مواجهتها، وهي أنه لا يمكن الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في آسيا على المدى الطويل.

واعتبرت المجلة أنه بدلاً من الحفاظ على "سعيها المشؤوم" إلى تحقيق هذا التفوق على الصين في آسيا، فإنه يتعيّن على الولايات المتحدة أن تتبنى إستراتيجية تعطي الأولوية لتحقيق توازن القوة مع الصين، وليس تجاوزها.

وأوضحت المجلة " تحتاج واشنطن إلى التركيز بشكل أضيق على حماية الوصول إلى المواقع الإستراتيجية - مثل  المراكز الصناعية في اليابان والهند والممرات المائية الرئيسة."

ورأت أنه يجب على واشنطن أيضًا أن تحاول التخلص من بعض أعبائها الأمنية من خلال مساعدة الحلفاء والشركاء من خلال تعزيز قدراتهم في الدفاع عن النفس.

كما ينبغي على واشنطن أيضًا، بحسب المجلة، أن تتعلم كيفية التعامل بشكل أفضل مع العديد من المؤسسات المتعددة الأطراف في المنطقة لتعزيز مصالح الولايات المتحدة ونفوذها بدلاً من تنظيم شراكات تتمحور فقط حول الولايات المتحدة.

وتقول المجلة إنه بينما يرى بعض منتقدي هذا النهج القائم على توازن القوى مع الصين بأن من شأنه تشجيع الصين، وإثارة المخاوف لدى الحلفاء من تخلّي واشنطن عنهم، إلا أن المجلة تشدد على أنه إذا لم تغير واشنطن نهجها، فإنها تخاطر بأن تجد نفسها منهكة، وتفتقر إلى الموقف العسكري اللازم لدعم التزاماتها واسعة النطاق، وردع الصين بشكل موثوق.

واعتبرت المجلة أن هذا "النهج المتوازن" سيكون أكثر استدامة، وأقل خطورة، لأنه يوائم مع الجغرافيا الفريدة للمنطقة وليس ضدها.

صراع على النفوذ

وأشارت المجلة إلى أن الولايات المتحدة، ولتحقيق رؤيتها "للتفوق الإقليمي من خلال بناء التحالفات"، فقد استثمرت إدارة بايدن بكثافة في تعزيز علاقات الولايات المتحدة مع دول آسيوية، حيث رفعت مثلاً مستوى علاقتها مع فيتنام إلى مستوى "شراكة إستراتيجية شاملة"، كما وقّعت اتفاقيات جديدة للتعاون الدفاعي والإنتاج المشترك مع الهند.

لكن في المقابل، اعتبرت المجلة أن جهود بايدن لبناء التحالفات لا تزال أقل بكثير مما هو مطلوب لدعم الهيمنة العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وأضافت المجلة: "لقد أوضحت إدارة بايدن من البداية أن التحالف يجب أن يحقق 3 أهداف، أولها تنويع وصول الولايات المتحدة إلى القواعد والمطارات والموانئ في جميع أنحاء المنطقة حتى يتمكن الجيش الأمريكي من إظهار قوته بسرعة في حالة حدوث أزمة، وثانيها إنشاء شبكة من التحالفات والشراكات التي تعزز المصالح والقيم الأمريكية، وأخيرًا تعزيز القدرات العسكرية للدول الحليفة والشريكة.

وتؤكد "فورين أفيرز"، أن التحدي الرئيس الذي تواجهه الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ هو ترسانة الصين الكبيرة من الصواريخ.

وفي هذا الصدد تقول المجلة إن القوات الأمريكية المتمركزة في قواعد كبيرة في غوام، واليابان، وكوريا الجنوبية، ترزح - بشكل خاص - تحت مرمى الضربات الصينية، حيث تأمل وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون بنشر الأفراد والمعدات على نطاق أوسع على العديد من القواعد الصغيرة في جميع أنحاء المنطقة لتحسين فرص بقائهم على قيد الحياة.

أخبار ذات صلة
توتر متصاعد بين أمريكا والصين بعد نتائج الانتخابات التايوانية

وتؤكد المجلة، إن إدارة بايدن حصلت على موافقات كبيرة من عدد من الدول للسماح لقواتها باستخدام قواعد تلك الدول، مثل: أستراليا والفلبين، وكذلك بابوا غينيا الجديدة، لكن المجلة اعتبرت أن ذلك لا يلبي الكثير من احتياجات واشنطن المُلحة في هذا الصدد.

وأشارت كل من الفلبين وبابوا غينيا الجديدة، إلى أنهما لن تسمحا للولايات المتحدة باستخدام القواعد الموجودة على أراضيهما لتخزين الأسلحة أو القيام بعمليات عسكرية هجومية في حرب ضد الصين، خاصة بشأن تايوان.

وتتابع المجلة أنه في حال نشوب صراع فإن هذا الوصول الإضافي لا يلبي احتياجات واشنطن الأكثر أهمية أو يوسع وصول الولايات المتحدة إلى البلدان الأكثر أهمية إستراتيجيًا في جنوب شرق آسيا، مثل: إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة.

وتابعت: "ونتيجة لذلك، ووسط احتمالية قيام كوريا الجنوبية أيضًا بتقييد الوصول العسكري الأمريكي، فإنه سيظل يتعيّن على الولايات المتحدة الاعتماد على مدارج الطائرات الضعيفة في اليابان وغوام، أو تشغيل قاذفات بعيدة المدى من أستراليا، في حالات الطوارئ."

ورغم أن البنتاغون يشدد بشكل متزايد على تنظيم التدريبات العسكرية الثلاثية المشتركة والتي تشمل تدريبات جوية وبحرية مع أستراليا واليابان، وتدريب خفر السواحل مع اليابان والفلبين، إلا أن إدارة بايدن واجهت العديد من "الإحباطات" في هذا الصدد، فهناك عدد قليل فقط من الدول في المنطقة على استعداد للالتزام الكامل بالتكتلات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة والتي تتطلب منها الاختيار بين الولايات المتحدة أو الصين.

أصدقاء بلا منفعة

ورأت المجلة أن مشروع بايدن لبناء تحالفات في آسيا لا يزال  يفتقر أيضًا إلى الآليات المؤسسية التي قد يحتاجها لمزامنة الإجراءات بشكل فعال بين حلفائه وشركائه في حالات الطوارئ.

واعتبرت أن الحوار الأمني الرباعي وهو منتدى أمني يضم: أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة، من المفترض أن يؤدي إلى تعميق التعاون البحري، من بين مبادرات أخرى، ولكنها لا توفر للبلدان المشاركة "الصورة الاستخباراتية المشتركة" التي تحتاج تلك الدول إلى تنسيقها وقت الأزمات، لأن ترتيبات تبادل المعلومات تظل ثنائية.

وتقول المجلة إن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لبناء القدرات العسكرية لحلفائها تحظى "بسجل مختلط "، ففي السنوات القليلة الماضية، بدأت بعض الدول في آسيا في إنفاق المزيد على الدفاع لكنها لا تزال بعيدة كل البعد عن القدرة على تقاسم العبء الدفاعي الحالي في المنطقة مع الولايات المتحدة.

أخبار ذات صلة
بعد فوز المرشح "الانفصالي" في تايوان.. الصين تعدّ للرد

وفي هذا الصدد، أفادت المجلة أن الولايات المتحدة تحتاج إلى أن ينفق حلفاؤها وشركاؤها الآسيويون أضعاف ما ينفقونه حاليًا لتحقيق أي شيء قريب من تقاسم الأعباء الحقيقية مع واشنطن .

وأردفت: "يساهم عدد قليل من الجيوش الآسيوية، حاليًا، كثيرًا في مجال القدرات التي من شأنها تمكين تقاسم الأعباء المالية بشكل أكبر مع الولايات المتحدة، حيث يعلق البعض على واشنطن آمالاً كبيرة على كوريا الجنوبية، لكن سيول لم تقم بالاستثمارات في البنية التحتية الصلبة، والدفاع الجوي، والنقل التي من شأنها أن تسمح لها بالمساهمة في العمليات الإقليمية."

وتقول المجلة إنه ينبغي أن يثير التقدم المحدود الذي حققته إدارة بايدن تساؤلات حول ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة - أو حتى ينبغي لها- أن تحاول الحفاظ على التفوق في آسيا.

وأشارت إلى أن بعض قادة الولايات المتحدة يأملون أن يظهر التحالف المطلوب للدفاع عن التفوق الأمريكي في المنطقة في نهاية المطاف مع تزايد التهديد العسكري الصيني، مما يدعم هيمنة الولايات المتحدة إلى أجل غير مسمّى.

أخبار ذات صلة
الصين تستدعي سفير الفيليبين بعد تصريحات بشأن انتخابات تايوان

لكن في المقابل تشدد المجلة على أن الجغرافيا البحرية للمنطقة "تتآمر" ضد تطلعات بايدن في بناء التحالف، وضد هدفه المتمثل في الحفاظ على التفوق الإقليمي.

وفي معرض حديثها عن جغرافية هذه المنطقة تشدد "فورين أفيرز"، على أنه من المؤكد أن جيران الصين الإقليميين يشعرون بالقلق من "عدوان بكين"، لكن دولًا، مثل إندونيسيا وماليزيا، لا تميل إلى رؤية بكين باعتبارها تهديدًا وجوديًا، كما أن الطبيعة البحرية للمحيطين الهندي والهادئ، في حد ذاتها، تقوّض مصداقية الردع الأمريكي.

وتابعت المجلة: "القوات الجوية والبحرية الأكثر صلة بالمنطقة تتمتع بقدرة عالية على الحركة، ومن السهل نشرها والانسحاب منها، وهذا يجعل الحلفاء المحتملين يخشون من التخلّي عنهم من قِبل واشنطن، ويقلل من الفوائد المحتملة عليهم، مثل الاستثمارات الأمريكية في القواعد البرية التي يمكن أن يتوقعوها من الانضمام إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة".

واعتبرت المجلة أن لدى العديد من الدول الآسيوية في المنطقة شكوكًا حول مدى استمرارية الضمانات الأمريكية التي تقدمها واشنطن  للمنطقة بالنظر إلى مدى اتساع نطاق الالتزامات العسكرية للولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط. 

وشددت المجلة على أنه، على الرغم من ذلك، فإنه يجب على  الولايات المتحدة أن تركز، في المقام الأول، على إبقاء مراكز القوة الصناعية الرئيسة في المنطقة، وأبرزها: الهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، خارج قبضة بكين، من خلال مساعدة تلك الدول على تطوير قدراتها في الدفاع عن النفس ودعم محاولاتها لتقليل اعتمادها الاقتصادي على الصين بشكل أفضل، كما يتعيّن على واشنطن أيضًا أن تلتزم بحماية  الممرات المائية الرئيسة في المنطقة، وتحديدًا مضيق ملقا، وأجزاء من بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي.

أخبار ذات صلة
بايدن: أمريكا لا تدعم استقلال تايوان

وخلُصت المجلة إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى أن تتعلم كيفية التنقل بشكل أفضل عبر التحالفات الإقليمية المرنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بدلاً من الاعتماد حصريًا على التحالفات والشراكات التي تقودها الولايات المتحدة حاليًا، مثل اتفاقية "أوكوس".

واقترحت المجلة على واشنطن العمل على دمج نفسها بشكل أكثر تكاملاً في الشبكات السياسية والاقتصادية والأمنية الموجودة بالفعل في المنطقة، والانخراط بشكل أكثر نشاطاً مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجموعاتها الفرعية العديدة.

ورأت المجلة أن ذلك كله يصطدم بعائق واحد هو "عقلية واشنطن " نفسها التي تحول دون اعتماد نهج قائم على توازن القوة مع الصين في آسيا، مشيرة إلى أن فكرة ضرورة مواصلة الهيمنة العسكرية في آسيا متأصلة بعمق في السياسة الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة، وربما تصبح أكثر رسوخًا، حيث يخشى القادة في كلا الحزبين السياسيين في الولايات المتحدة من الانزلاق خلف بكين.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com