الاستخبارات الإسرائيلية تتوقع تقليص ترامب للتدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط

الاستخبارات الإسرائيلية تتوقع تقليص ترامب للتدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط

توقعت وثيقة تقدير موقف لقسم الاستخبارات التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، أن الإدارة الأميركية تحت رئاسة دونالد ترامب، ستقلص التدخل الأميركي في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وفي النزاع الإسرائيلي الفلسطيني على نحو خاص.

وبحسب الوثيقة التي تم تعميمها على السفارات الإسرائيلية في مختلف أنحاء العالم، بحسب ما نشر موقع “هآرتس”، فإن وزارة الخارجية الإسرائيلية تستعد  لوضع تقدير للموقف بشأن الخطوط والاتجاهات العريضة للسياسات التي يفترض أن تدار بها منظومة العلاقات الدبلوماسية مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

وطبقا للوثيقة، تدرس الوزارة وضع تصورات بشأن اتجاهات الوافد الجديد على البيت الأبيض الرئيس الجمهوري المنتخب دونالد ترامب.

وتقدر الخارجية الإسرائيلية أن فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية يحتم تغيير أسلوب إدارة العلاقات الذي استمر العمل به طوال ثماني سنوات مضت، وحقق نجاحات عديدة لكنه في الوقت نفسه واجه قصورا في بعض الملفات، نظرا للخلاف حول عدد من القضايا مع إدارة الرئيس باراك أوباما.

في هذه المناسبة، أصدر مركز بحوث السياسات “مماد”، الذراع الاستخباراتية لوزارة الخارجية الإسرائيلية الجمعة، وثيقة حملت تقديرا للموقف بشأن اتجاهات السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي الجديد.

ويدل توقيت صدور تلك الوثيقة، عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية بيومين فقط، على أن وثيقة أخرى كانت قد أعدت بشأن اتجاهات السياسة الخارجية لمرشحة الحزب الديمقراطي الخاسرة هيلاري كلينتون، لكنها لم تعد ذات قيمة، عقب ظهور نتائج الانتخابات.

ويعد العنوان الأبرز لتلك الوثيقة التي نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” جانبا منها عبر موقعها الإلكتروني، هو أن “ترامب لا يولي اهتماما أساسيا بالسياسة الخارجية، بقدر ما يضع السياسة الداخلية كأولوية قصوى، لذا فإنها ترجح ألا يحتل ملف الشرق الأوسط مكانة متقدمة بالنسبة للرئيس الجمهوري، الذي تتوقع أن يعمل على تقليص التدخلات الأمريكية بالمنطقة”.

أهمية الوثيقة

وتنبع أهمية تلك الوثيقة من حقيقة أنها أعدت بواسطة مركز “مماد” الذي يعد الذراع الاستخباراتية لوزارة الخارجية بالقدس المحتلة، ويعمل منذ سنوات على الصعيد الدبلوماسي، كما يختص بمجال البحوث الاستخباراتية منذ العام 1974.

ويعمل المركز من خلف الكواليس على غرار جهاز “الموساد” وشعبة الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش “أمان”، ويحمل تأثيرا كبيرا للغاية، ويقف خلف العديد من الأحداث منذ تأسيسه على خلفية دروس حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وبناء على توصية لجنة “أجرانات”.

ويضم المركز فريق عمل من كبار الدبلوماسيين الذين يعملون على دعم اتخاذ القرارات فضلا عن باحثين محترفين في المجال السياسي وغير ذلك، ولديهم صلات واسعة بالساحة الدولية، أي أن الحديث يجري عن خبرات متنوعة، تلعب دورا كبيرا في رسم السياسات الخارجية الإسرائيلية وتحدد مساراتها.

نظرة أولية

وتضع الوثيقة أمام صانع القرار الإسرائيلي نظرة أولية حول توجهات ترامب، بعد تحليل كم هائل من المعلومات والتقارير والتصريحات  التي نشرتها وسائل الإعلام حول العالم وغيرها من المصادر المفتوحة، فضلا عن المعلومات التي تم جمعها عبر لقاءات واجتماعات مع شخصيات مقربة من الرئيس الأمريكي الجديد، بالتالي تم استخلاص النقاط التي يعتقد أنها الأقرب للواقع.

وتدل جميع المعلومات التي جمعها المركز عبر المصادر المشار إليها، التي يمكن إضافة البرنامج الانتخابي المعلن لترامب، أنه يسعى للتركيز على التحديات الداخلية التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في المقام الأول، مُركزا على تعزيز وضع بلاده على الصعيد الدولي، لكن بوسائل غير تقليدية.

المساعدات العسكرية لإسرائيل

لم يعول معدو الوثيقة كثيرا على تصريحات ترامب المؤيدة للدولة العبرية دون تحفظات، حيث رأوا أن هناك ما قد يثير الشكوك ويتطلب التروي قليلا قبل الحكم على نهجه تجاه قضايا أساسية تتعلق بالعلاقات بين البلدين.

وأكدت الوثيقة على أن بعض التصريحات التي أطلقها ترامب خلال الشهور الأخيرة شابها التناقض، ودللوا على ذلك بأنه كان قد أكد على أن إسرائيل مُلزمة بدفع ثمن محدد جراء المساعدات العسكرية التي تحصل عليها من الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مناسبة أخرى أشار إلى أن المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل تعد “استثمارا ممتازا”.

تجدر الإشارة إلى أن وثيقة السياسات التي نشرها مستشارا ترامب للشؤون الإسرائيلية ديفيد فريدمان وجيمس غرينبلت الخميس قبل الماضي، تضمنت نقطة تؤكد أن اتفاق المساعدات العسكرية الذي تم التوقيع عليه منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي، وينص على حصول إسرائيل على 38 مليار دولار في الفترة 2018 – 2028، يعد خطوة أولى جيدة وأنه لن يمنع الإدارة الأمريكية أو الكونغرس من زيادة حجم المساعدات، ولن يكون نهاية المطاف.

دون سياسة منظّمة أو منهج

ولا يعتقد المركز التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية أن المسيرة السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ستكون على رأس أولوليات السياسة الخارجية لإدارة ترامب، وتوصل عقب تحليل مواقف وتصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب إلى قناعة بأن تصريحاته قد لا تدل بالضرورة على سياسة منظمة أو منهج.

وتشير وثيقة المركز إلى أن ترامب أعلن مرارا وتكرارا عن تأييده لنقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس، وأكد على حق إسرائيل في البناء في مستوطنات الضفة الغربية، لكنه أشار في تصريحات أخرى إلى أنه سيكون وسيطا عادلا في تلك القضية، ويعتقد أنه على جميع الأطراف بلورة صفقة مناسبة فيما بينهم.

ماذا عن إيران؟

وضع خبراء مراكز “مماد” أيديهم على تناقض آخر يخص الملف الإيراني، وهو الملف الذي خلق أزمة جوهرية بين تل أبيب وواشنطن على خلفية الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في تموز/ يوليو من العام الماضي.

وطبقا للوثيقة، فقد أطلق الرئيس الأمريكي الجديد منذ أن كثف ظهوره الإعلامي قبل شهور، تصريحات متناقضة بشأن إيران، وبشأن التزامه بالاتفاق النووي الذي وُقع في فيينا بينها وبين مجموعة الدول الست الكبرى.

وانتقد ترامب الاتفاق النووي بشدة في مناسبات مختلفة، لكن الفترة الأخيرة من المعركة الانتخابية كان من الملاحظ أنه امتنع تماما عن الدعوة لإلغاء هذا الاتفاق، بل وقدم وعودا بشأن الالتزام ببنوده.

الملف السوري

ووجد المركز التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية بعض الملاحظات على تعاطي ترامب مع الملف السوري، والحرب الأهلية الدائرة هناك منذ ستة أعوام تقريبا. فقد أطلق في وقت محدد تصريحات تدل على أنه يمتلك رؤية لتلك الحرب، تختلف جذريا عن تلك التي تتبناها إدارة أوباما.

وطالب ترامب بإعادة دراسة تزويد المعارضة السورية بالسلاح، وأعرب عن تأييده لبقاء بشار الأسد على رأس السلطة في دمشق، وأشار إلى أن الإدارة الديمقراطية لم تقدر جيدا قوة بشار الأسد، فيما بدا واضحا أنه لا يعارض الدور الروسي في سوريا.

ودقق الخبراء في تطور تلك التصريحات، وعملوا على مقارنتها بعضها البعض، وتوصلوا لنتيجة بأن موقف ترامب بشان الملف السوري يبدو راسخا بشكل أكثر وضوحا.

العلاقات الدولية

يرى معدو الوثيقة أن الرئيس الأمريكي الجديد سيسعى لتغيير منظومة العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة في أنحاء العالم، وأنه سيحرص على “حصد ثمن” الحماية الأمريكية التي توفرها بلاده لحلفائها في الخليج العربي وآسيا، ولا يتردد في إعادة بحث مسألة وجود القوات الأمريكية العسكرية في دول مثل اليابان أو كوريا الجنوبية، ويطالب بإعادة دراسة مسألة عضوية الولايات المتحدة في حلف “الناتو”، من منطلق رؤيته أن الولايات المتحدة تدفع الثمن مقابل أزمات لا تخصها.

وتختم الوثيقة بأن قلة الصلة والمعرفة بين ترامب وبين الساحة الخارجية ستجعل الطاقم الذي سيصطحبه للبيت الأبيض مسألة مهمة، وتقدر أن هذا الطاقم هو الذي سيحدد جدول أعمال الرئيس الجديد في جميع ملفات السياسة الخارجية، وهو ما يعني تلميحا من المركز بأن هناك أهمية كبرى في معرفة هوية هذا الطاقم والتواصل معه ومحاولة التأثير عليه.