الصين تبحث عن حلفاء جدد بين أعدائها في جنوب شرق آسيا

الصين تبحث عن حلفاء جدد بين أعدائها في جنوب شرق آسيا

تحاول السلطات الصينية تحسين العلاقات مع دول جنوب شرق من خلال إبرام صفقات وضخ الأموال، لكن الجيران لا يريدون التخلي عن علاقاتهم بالولايات المتحدة.

وأطلقت المدافع بميدان تيانامين 21 طلقة الأسبوع الماضي، أثناء استقبال الصين لرئيس الوزراء الماليزي، نجيب عبدالرزاق، في زيارة تستغرق 5 أيام، وشهد نجيب استعراضًا عسكريًا  قبيل انتقاله إلى قاعة الشعب الكبرى لتوقيع اتفاقيات تجارية واستثمارية بقيمة 34 مليار دولار.

وخلال كلمة قصيرة ألقاها نائب وزير الخارجية الصيني، ليو تشن مين، أثناء توقيع الاتفاقية، أكّد للإعلام الماليزي أن الأمر ليس كما يبدو عليه قائلًا “نحن لا نستخدم قدراتنا المالية لتحسين علاقاتنا مع الدول الأخرى”.

وقد علق نائب وزير الخارجية بهذا الكلام على سؤال وجهه له أحد الحضور، ما إذا كانت الصين تمارس سياسة الضغوط المالية.

وكان من الصعب إخفاء البهجة التي اعتلت وجوه الجانب الصيني، فزيارة قادة الفلبين وماليزيا للصين شكلت نجاحًا نادرًا لسياسة بكين الخارجية، التي  قضت معظم وقتها في الابتعاد عن جيرانها من دول جنوب شرق آسيا، بسعيها للهيمنة على بحر الصين الجنوبي.

خطة هجومية

في غضون بضعة أسابيع، أظهرت الصين بوضوح خطتها الهجومية عن طريق ضخ الأموال بآسيا، لاجتذاب الدول الآسيوية الموالية لواشنطن نحوها.

وإذا أخذنا بظاهر الأمر، يبدو أن السياسة الخارجية لبكين تجاوزت أزمتها، فقد فاجأ الرئيس الفلبيني صناع السياسية الأمريكيين بزيارته للصين الشهر الماضي، آملا في الانفصال عن واشنطن واحتضان الصين بتصريحه بأن هذا الوقت هو ربيع العلاقة بين بكين ومانيلا.

وترتبط الفلبين بواشنطن باتفاقية أمنية منذ 64 عاماً، وقام الرئيس الفلبيني السابق بالموافقة على السماح للسفن الأمريكية، بالدخول إلى خمس قواعد فلبينية للمرة الأولى منذ الحرب الباردة.

وتبعت زيارة الرئيس الفلبيني للصين بوقت قصير، زيارة لرئيس الوزراء الماليزي، والذي وقع على اتفاقية التعاون البحري المشترك، والتي تضمنت شراء ماليزيا أربعة زوارق حراسة، وهي أول صفقة حربية لها مع الصين.

وتمثل هذه الصفقة ضربة غير مباشرة لواشنطن، إذ وجهوا اللوم للقوى الاستعمارية السابقة بقولهم “لا تحاصروا الشعوب الذين قمتم باستغلالهم قبل ذلك”.

وقال دينغ دو، وهو باحث مساعد في المعهد الوطني لدراسات بحر الصين الجنوبي بمنطقة هاينان “لقد حققت الصين تأثيرًا ناجحًا في المنطقة بعد نجاح زيارتي الفلبين وماليزيا”.

وأعطت التغيرات الأخيرة، دفعة لمكانة الرئيس شي جين بينغ عند شعبه، بينما تخطط الصين لعقد بضع صفقات قبل مؤتمر الحزب الشيوعي التاسع عشر في الخريف المقبل.

وقالت بوني جلاسر، خبيرة الشؤون الصينية بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن “توسع الصين في علاقتها مع جيرانها سيسهم في تعزيز مكانة الرئيس شي بينما يستعد للمؤتمر” مضيفا “أن ميل كل من الفلبين وماليزيا للصين لا يزال مجرد تصور أكثر من كونه حقيقة”.

فشل منظور حُسْن النية

ومنذ المؤتمر الأخير عام 2012، والذي تم تعيينه فيه أمينًا عامًا، قام السيد شي بتعزيز سياسة الصين الخارجية شيئًا فشيئًا، إذ يقول الخبراء إنه بدأ بالابتعاد عن منهج حقبة الرئيس دنغ شياو بينغ والمعروفة بـ”الابتعاد عن الأضواء”.

أما بالنسبة لشعار السيد شي فيتخذ شعارًا جديدًا “نسعى لتحقيق الإنجازات”. وقال الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الأمريكي بالصين بول هاينل، الذي يشغل حاليًا منصب مدير مركز كارنيغي- تشينخوا في بكين “ستقوم الصين بتكثيف جهودها أكثر في المنطقة”.

ويركز الاهتمام حاليًا على تايلاند، والتي تميل منذ الانقلاب العسكري في العام 2014 إلى الصين وفيتنام، التي تسير في الاتجاه المعاكس، إذ تتطلع إلى السماح للبحرية الأمريكية باستخدام مرافق خليج “كام رانه ودانانج”، الذي سيمثل أول عودة للقوات العسكرية الأمريكية لفيتنام، منذ انتهاء الحرب في العام 1975.

وسيتوجب على الإدارة الأمريكية الجديدة، أن تقنع حلفاءها المتشككين أنها ما زالت تركز على آسيا، على الرغم من الأزمات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، والتي شتت انتباههم بالإضافة لوجهات النظر الانعزالية للرئيس الجديد دونالد ترامب.

ويرجع الخبراء التحول في السياسية الخارجية الصينية إلى  فشل “فرضية حسن النية” التي كانت تتعامل بها بكين، ففي العام 2014 كشفت الصين عن خطة إستراتيجية جديدة للعلاقات مع الدول الـ 10 الأعضاء باتحاد دول جنوب شرق آسيا، ولكن بعد سبعة أشهر نقلت منصة نفطية إلى المياه التي تطالب بها فيتنام؛ ما أدى إلى توقف الجهود الدبلوماسية.

وبعد ذلك، أعلنت بكين أن العام 2015 سيكون عام “التعاون البحري بين الصين ودول آسيا”، ثم عززت جهود بناء جزيرة في بحر الصين الجنوبي.

وقال هاينل “السؤال الذي تطرحه الولايات المتحدة والغرب، هو هل يمكن للصين كسب الأصدقاء وكسب الأراضي في الوقت نفسه؟” ويشكك محللون في  إمكانية بكين المحافظة على وضعها الحالي، وتجنب المشاكل المثيرة للغضب مع جيرانها.

ويعدّ بحر الصين الجنوبي أحد المحاور الدبلوماسية الصينية، إذ تدّعي بكين وتطالب بحقها التاريخي في الحدود البحرية.

وبدأت بكين جهودها مع دوتيرتي، عندما قضت محكمة العدل الدولية في لاهاي في شهر يوليو لصالح الفلبين، وشكل هذا الحكم تحديًا، بعد أن احتلت الصين جزيرة سكاربرو شول، والتي تطالب بها مانيلا.

وتسعى الصين إلى التقليل من قيمة الحكم بتنفيذ إستراتيجية جديدة، قوامها “لندع النزاعات جانبًا ونحقق مصالح التنمية المشتركة، أو بعبارة أخرى شراء معارضينا”وهو ما نجحت فيه بعض الشيء، إذ قام  دوتيرتي بإرجاع الأمر إلى الصين خلال زيارته، التي استمرت أربعة أيام، بعد أن تلقى 13.5 مليار دولار في صورة استثمارات وصفقات تجارية.

وقد أثبتت الصين للرئيس الفلبيني، أنه يمكنه الحصول على كل ما يريد مقابل التنازل عما وصفوه بـ”مجرد ورقة بأربعة أركان”  فبعد الزيارة تم إعطاء الصيادين الفلبينيين الإذن، لدخول جزيرة سكاربرو شول مرة ثانية.