أردوغان.. الإسلامي المهادن للعلمانية من قاع حي "القبضايات" إلى قمة السلطة

أردوغان.. الإسلامي المهادن للعلماني...

في طفولته وصباه لطالما تأمل باندهاش عظمة الآثار التي خلفتها الدولة العثمانية التي أنهاها مصطفى كمال اتاتورك وأقام الجمهورية العلمانية على أنقاضها.

المصدر: إرم نيوز ـ خالد أبو الخير

ربما لم يقرأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أشعار الشاعر العظيم ناظم حكمت، رغم عشقه للشعر، فلم يصدف أن استشهد ببيت شعر واحد له، رغم أنه أمضى حياته مطارداً من السلطات ومنفياً، ومرد ذلك أن حكمت، الذي طبقت شهرته الآفاق، كان يسارياً.

يفضل أردوغان شعراء آخرين، من قبيل  ”زييا كوكالب“، الذي تسبب ترديده لقصيدة له في اعتقاله قبل سنوات، تقول كلماتها: ”مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا، الله أكبر، الله أكبر“.

وما بين شاعرين، ما بين ضفتي البوسفور، ما بين جناحي الشعب التركي بإسلامييه وعلمانييه، تكمن الفاصلة التي بدأ منها أردوغان.

طفولة في حي “ القبضايات“

ولد رجب طيب اردوغان في 26 فبراير 1954، في بيت يقع بحي قاسم باشا. كان والده قبطان البحر، أو الحاج أحمد كما صار يلقب لاحقاً، استقر به المقام في الحي الذي يعد أفقر أحياء اسطنبول، قادمًا من ”ريزة“ على البحر الأسود، بحثًا عن الرزق.

عرف غالبية سكان حي قاسم باشا بلقب ”القبضايات“، كناية عن الرجولة والشهامة، وربما كنوع من التعويض عن الفقر وضعف الحال!

تدين الأسرة انعكس على الأبناء، فأرسل الطفل أردوغان إلى مدارس ذات طابع ديني، وأكمل المرحلة الثانوية في مدرسة ”الإمام الخطيب“ الدينية.

في طفولته وصباه، لطالما تأمل باندهاش عظمة الآثار التي خلفتها تلك الدولة التي أنهاها مصطفى كمال اتاتورك، وأقام الجمهورية العلمانية على أنقاضها.

أتاتورك، أي ”أب الأتراك“، الذي تنتشر تماثيله ولوحاته الجدارية في كل مكان من اسطنبول وتركيا، مر به الفتى الذي كبر على التعاليم التي تقبع على النقيض من فكره، ورمقه، طويلاً، بنظرة شزرة.

فقره واضطراره لبيع البطيخ والسميط لمعاونة والده، حفر عميقاً في شخصيته.

الفتى الذي تميز بطول قامته، برز كلاعب كرة قدم في الحواري والأزقة، وكبرت معه الهواية حتى لعب في صفوف المحترفين ضمن منتخب شباب إسطنبول، وإبان مرحلة دراسته الجامعية بكلية الاقتصاد والتجارة في جامعة مرمرة.

أردوغان وأربكان

مبكرًا عرف أردوغان بنشاطه السياسي، إسلامي التوجه، وفي شبابه انضم إلى الاتحاد الوطني للطلبة الأتراك.

 فور تخرجه عيّن في بلدية اسطنبول، تزوج من ”أمينة“، المناضلة الإسلامية في حزب السلامة الوطني، الذي أسسه ”نجم الدين أربكان“، بتوجه إسلامي مستند إلى الميراث العثماني، ذلك الحزب الذي انتقل إليه أردوغان من الاتحاد، وصار فيما بعد رئيس التنظيم الشبابي ومقربًا من زعيمه وموضع ثقته.

وكان مثيراً أن المدعي العام التركي اتهم حزب أربكان عام 1978 بأنه ”يستغل الدين في السياسة وهو أمر مخالف لمبادئ أتاتورك العلمانية“.

مسيرة أردوغان الحزبية داهمها ”انقلاب كنعان إيفرين“ عام 1980 الذي حظر الأحزاب وحكم البلاد عرفياً، وألقى بأربكان برفقة 33 من قادة الحزب في السجن برسم المحاكمة العسكرية.

عاد الإسلاميون بقوة عقب عودة الحياة السياسية عام 1983، عبر بوابة حزب ”الرفاه“، الذي انتهج سياسات منحازة إلى الفقراء، ومن أفكار الحزب، ”إن الحكم وسيلة لمرضاة الله وخدمة للأمة“.

وصار اردوغان رئيسا لشعبة الحزب في إسطنبول عام 1985، وقيل انه ”كان يدفع جزءاً من مرتبه شهريا من أجل خدمة أهداف الحزب“.

نجح الحزب في الوصول إلى البرلمان بعد حصوله على 17 في المائة من الأصوات، ودخل أربكان الحكومة عبر ائتلاف وزاري.

عادة لا يحتفي كتاب سيرته الرسمية بترشحه عام 1989 للانتخابات البلدية، في ”باي أوغلو“ لكونه خسرها، رغم ان هذه الحادثة جزء مهم من مسيرته.

عموماً، أردوغان لم ييأس، وترشح مجدداً عن حزب الرفاه لمنصب عمدة مدينة اسطنبول وفاز بها عام 1994.

إلقاؤه للقصيدة إياها، وهو العمدة،  وسط حماس شديد للتخلص من الإرث الاتاتوركي، وتغيير الدستور الذي جاء أربكان وأردوغان تحت مظلته، أدت إلى سجنه 10 أشهر إثر اتهامه بالتحريض على الكراهية الدينية، وتهديد النظام العلماني، ومنع من ممارسة السياسة لخمس سنين.

في 1996 فاز حزب الرفاه بالانتخابات البرلمانية، وشكل نجم الدين أربكان حكومته الائتلافية، لكن الجيش ”حارس العلمانية“، كان له بالمرصاد، وأطاح بحكومته، وأجبره على الاستقالة.

عودة لأتاتورك

تعلم من درس سجنه والأحداث التي تلت، وخشي أن يؤدي استمراره في ”المواجهة“ إلى حرمانه نهائياً من العمل السياسي، كما حدث لأستاذه أربكان، فاستغل حل المحكمة الدستورية لحزب ”الفضيلة“ عام 1999، الذي قام بديلًا عن حزب ”الرفاه“، لينشق مع عدد من الأعضاء منهم عبد الله غول، وليؤسسوا حزب العدالة والتنمية عام 2001.

الحزب الجديد أراده أردوغان بعيداً عن أي صلة حزبية وفكرية مع أربكان وتياره الإسلامي الذي أغضب المؤسسات العلمانية مرات عدة، فأعلن أن حزب العدالة والتنمية ”سيحافظ على أسس النظام الجمهوري ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية“.

بل وزاد، وربما في مخيلته التمثال الذي  لطالما رآه منذ سني طفولته، يطل على ميدان ”التقسيم“: ”سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر“.

ببساطة، انقلب حزب ”العدالة والتنمية“ على مبادىء أربكان، عبر تبنيه مبادئ الأتاتوركية العلمانية، فالسياسة وفق ما هو معروف ”هي فن الممكن“، وميكافيلية أحيانا.

حقق الحزب فوزًا ساحقًا في الانتخابات، لكن أردوغان لم يترأس الحكومة، بسبب الحكم الذي صدر ضده، فشكل صديقه عبد الله غول الحكومة.

فور رفع حظر العمل السياسي عنه، ترشح أردوغان لمعقد شاغر في البرلمان، وتنازل عبد الله غول عن منصبه، ليصير أردوغان رئيس الوزراء عام 2003م.

وفي 2014، فاز عبر الاقتراع المباشر الذي جرى للمرة الأولى، بمنصب رئيس الجمهورية التركية.

طموح أردوغان كان يتجاوز تركيا إلى لعب دور إقليمي ودولي، فقد حرص على محاولة تكريس نفسه كقائد للشرق الأوسط ونصير الأمة الإسلامية، ومدافع عن قضاياها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لكن جهوده في هذا الإطار اصطدمت بسلسلة من الخيبات.

من مشهد المواجهة مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس في ”دافوس“ 2009 بسبب فلسطين، إلى توتر العلاقات بعد الهجوم الإسرائيلي على السفينة ”مافي مرمرة“ التي سعت إلى كسر الحصار على غزة، وما رافقها من جماهيرية واسعة لاردوغان، صفحة طويت، عندما عادت أنقرة إلى تطبيع علاقاتها كاملة مع “ تل أبيب“ في 2016، بعد قبولها بالتعويض عن مقتل 10 بحارة أتراك في الهجوم.

 الموقف التركي المعارض للرئيس بشار الأسد والمخاوف من نمو  قوة الأكراد بعد معركة عين العرب (كوباني)، قاد، في فعل ينتمي إلى عالم ”القبضايات“، إلى إسقاط الطائرة الروسية، التي اخترقت الأجواء التركية، وفق انقرة، وكانت على  مقربة منها، وفق موسكو، وما أعقبه من توتر وخراب العلاقات مع روسيا، تمخض في النهاية عن اعتذار أردوغان لبوتين، بعد طول مكابرة، انتهت بالقمة الاستثنائية بين الزعيمين في سان بطرسبورغ الروسية.

أخيراً، انضمت تركيا إلى روسيا في الحرب على تنظيم داعش الإرهابي، علماً بأن موسكو قصفت داعش طيلة عام من تدخلها العسكري في سوريا، إلا فيما ندر.

الانقلاب يطلق يده

 ثمة من يجادل بأن الانقلاب العسكري الذي حدث مؤخراً من صنع اردوغان نفسه، لكي يكرس سلطته، وثمة من يؤكد أن الانقلاب حدث بالفعل لكنه فشل، وفي الحالتين، ولأن العبرة في النتائج، خرج أردوغان قوياً منه، بل وأطلق يده، وسعى لتجميع كل خيوط السلطة في يده، وسارع إلى إجراء أكبر عملية تطهير في الدولة للعناصر المناوئة، من عسكريين وقضاة وحتى معلمين وغيرهم.

بل إن العملية شملت أيضاً عناصر من حزبه عبر اتهامهم بأنهم من أنصار الداعية فتح الله غولن، المقيم في بنسلفانيا الأمريكية، والمتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

والمؤكد، وفق تقارير، ان الوضع لم يستقر بعد تماما.

فتح الانقلاب الباب واسعًا على التوجه لأسلمة الدستور والانقلاب على مبادىء أتاتورك، وحتى قبل وقوعه، أعلن رئيس البرلمان التركي، إسماعيل قهرمان، أن  الدستور الجديد لتركيا ”يجب أن يكون ”دينيا“، ويجب أن لا ترد العلمانية فيه“، ما أدى إلى اندلاع مظاهرات منددة بالتوجه الذي يقوده حزب العدالة والتنمية، وأردوغان نفسه.

ولأن البداية كانت مع الشعر، فمن المناسب الانتهاء به، كذلك. يقول ناظم حكمت:

الموت عادل، يصيب الشاه والفقير بالوقار نفسه.

 لكن، على مايبدو، الحال ليس كذلك في مسألة السلطة التي يتشبث بها أردوغان إلى آخر رمق.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com