هل أصبحت ”النخبة“ الروسية أكثر تناغمًا مع نزعة بوتين التوسعية؟

هل أصبحت ”النخبة“ الروسية أكثر تناغمًا مع نزعة بوتين التوسعية؟

المصدر: إرم نيوز - إسماعيل الحلو

لم تكن السياسة الخارجية الروسية في السنوات الماضية، بعيدة عن الأزمات،  فقد قامت موسكو  بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم في آذار/مارس 2014؛ وحرضت على ثورة انفصالية في شرق أوكرانيا، وأرسلت قواتها للمساعدة على ذلك؛ وشاركت بمناورات استفزازية في المجال الجوي لحلف الناتو، وتدخلت عسكرياً في الحرب الأهلية السورية.

وقامت صحيفة واشنطن بوست الأمركية بإجراء دراسة حول الموضوع من خلال السؤال ”هل تدعم النخبة الروسية السياسات الخارجية العدوانية التي انتهجها بوتين؟“.

 الجواب: نعم، على الأرجح هم كذلك –وبالتأكيد، فهم يقولون إنهم يدعمونها، حيث أظهرت دراسة جديدة أن النخبة الروسية أصبحت أكثر ميلاً للتوسع العسكري، وأكثر عداءً لأمريكا أكثر من أي وقت مضى منذ العام 1993.

واستندت الدراسة على تصويت قامت به كلية ليفيت هاملتون لعام 2016، وشارك به 243 شخصاً في مقابلات شخصية مع أفراد من مستوى رفيع ممن يعملون في السلطة الاتحادية الروسية والبرلمان والجيش والجهات الأمنية وقطاع الأعمال الخاص والمؤسسات التي تملكها الحكومة والجامعات ومعاهد البحث العلمي والجهات الإعلامية الرئيسة.

 واحتوت عينة الدراسة من بين آخرين على وزراء في السلطة الاتحادية ومديرين في الدفاع ومؤسسات صناعية تملك الحكومة أكثر من نصفها ومديري مؤسسات البحث الأكاديمي الكبيرة ومسؤولين عسكريين برتبة عقيد أو أعلى.

ويعد المسح الاستقصائي لعام 2016 الموجة السابعة لسلسلة من المقابلات التي تمت في الأعوام 1993، 1995، 1999، 2004، 2008 و2012 من قبل ويليام زيمرمان من جامعة ميتشيغان. وكان عدد الذين أجريت معهم المقابلات في كل مرة يتراوح بين 180 و320 فرداً. وفيما يلي الاستنتاجات الرئيسية:

النخبة الروسية أصبحت أكثر ميلاً للتوسعية

منذ العام 1993، طرح التصويت سؤالاً على النخبة الروسية، فيما إذا كانت ”المصالح الوطنية لروسيا يجب أن تكون محدودة، في الأغلب، على الحدود الحالية للبلاد“ أو ”أن تمتد لما هو أبعد من حدودها الحالية“. وكانت الإجابة في كل تصويت وحتى العام 1999، وبشكل متزايد أن المصالح الروسية تنتهي عند حدود البلاد.

لكن هذا قد تغير، حيث تظهر الرسوم البيانية بأنه، في العام 2012 أجاب أقل من نصف المشاركين بالدراسة، تحديداً 43.4% منهم، بأن المصالح الوطنية لروسيا تمتد إلى ما هو أبعد من حدودها الحالية.  وفي أقل من أربع سنوات من ذلك، تضاعفت النسبة تقريباً لتصل إلى 82.3% من المشاركين في الدراسة.

وشملت هذه الرؤية التوسعية استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم العام 2014، وبرغم أن أغلب المجتمع الدولي أدان هذا التصرف، بما في ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن 88.4% من النخبة الروسية لا تعتقد بأن الاستيلاء على شبه جزيرة القرم قد خرق أي قانون أو معاهدة دولية.

النخبة الروسية أكثر عسكرية

وكما ظهر في الرسومات البيانية، أن النخبة الروسية حالياً تقول بأن القوة العسكرية هي جوهر العلاقات الدولية.  فمن العام 1993 وحتى العام 2012، كانت نسبة النخبة التي وافقت على أن القوة العسكرية ”تحدد وبشكل مطلق جميع العلاقات الدولية“ تتزايد بثبات، حيث تضاعفت ثلاث مرات تقريباً من 13% العام 1993 إلى 35.8% العام 2012.

واستمرت هذه الزيادة بشكل كبير إلى أن وصلت الآن لحد 52.9% من النخبة الروسية التي تقول بأن القوة العسكرية لها القرار، أي أنها الأغلبية لأول مرة التي توافق على ذلك.

لذا ليس من المستغرب بأن تبدي النخبة الروسية استعدادها للإنفاق السخي من الميزانية على الجيش، فنسبة شحيحة بلغت 13.6% اعتقدت بأن على روسيا تقليل الإنفاق على الجيش، بينما 84.3% قالت بأن الإنفاق العسكري يجب أن يستمر كما هو أو يزيد.

 ومن الجدير بالذكر أن غالبية الشعب الروسي وبحسب مركز ليفادا –وهي وكالة إحصاءات مستقلة مقرها في موسكو- يوافق وبنسبة 53% من العينة الإحصائية في العام الماضي على أن ”روسيا يجب أن تنفق أكثر على الدفاع حتى لو تسبب ذلك بمشاكل للتطور الاقتصادي الروسي“.

مستويات عالية من العداء لأمريكا

وفوق كل ذلك، فإن النخبة الروسية تعادي أمريكا بمستويات غير مسبوقة. ومنذ أن بدأت سلسلة المسح الاستقصائي هذه، تم توجيه السؤال للمشاركين في الدراسة، فيما إذا كانوا يروا الولايات المتحدة كتهديد للأمن الروسي.

 وكما أظهرت الرسوم البيانية، كان هناك زيادة مستقرة نسبياً في عدد من قال نعم، وبحلول العام 2016، وافق 80.8% على ذلك. وهذه زيادة بمقدار 32.7% خلال أربع سنوات فقط، وأعلى نسبة مسجلة خلال الموجات الاستقصائية السبع للدراسة.

وحين تم السؤال، فيما إذا كانت الولايات المتحدة صديقة أم معادية لروسيا، صنف 88% من المشاركين بالدراسة لعام 2016 الولايات المتحدة على أنها معادية ”جداً“ أو ”بشكل متوسط“.

وهذا يعني أكثر من الضعف لمستوى عام 2012 الذي كان 40.1%، وثلاثة أضعاف لمستوى العام 2004 الذي كان 31.3%.

وفي الحقيقة، فهي أعلى من المستوى الذي سجل خلال الحرب الروسية-الجورجية عام 2008 –حين أجاب 70.5% من المشاركين بأن الولايات المتحدة معادية ”جداً“ أو ”بشكل متوسط“ لروسيا.

ويمكن رؤية العداء لأمريكا في كيفية تعبير النخبة الروسية عن مواجهة عام 2014 مع أوكرانيا، فحين تم السؤال عن ما أدى للكارثة، أجاب 75.5% بأن الولايات المتحدة بدأت الأمر حين حرضت على ”ثورة ملونة“ أخرى في أوكرانيا.

ماذا يعني كل ذلك؟

في المحصلة، هذا ما تخبرنا به النخبة الروسية عن رؤيتها للعالم، فالمصالح الوطنية الروسية تمتد لما هو أبعد من حدودها، وتحافظ الدولة على دورها في العالم من خلال القوة العسكرية، الكريملين يحترم العهود والمواثيق الدولية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم؛ والولايات المتحدة معادية لروسيا وتعتبر تهديداً لها وتحاول زيادة عدم الاستقرار في الاتحاد السوفييتي السابق. بمعنى آخر، فأن النخبة الروسية لن تضغط على الكريملين لتغيير السياسة الخارجية في أي وقت قريب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com