بالفلافل والأرجيلة وفيروز.. اللاجئون يغيّرون بعض ملامح برلين

بالفلافل والأرجيلة وفيروز.. اللاجئون يغيّرون بعض ملامح برلين

المصدر: صدوف نويران – إرم نيوز

عند التجول في شارع ”سونينالي“ في برلين، يلفت انتباه المرء المشاهد والمظاهر العربية، فمن نساء لاجئات يقطفن اللوز أو الملوخية، إلى رجال يدخنون ”الأرجيلة“ على جوانب الطرقات، فضلًا عن الكلمات العربية المكتوبة على واجهات المحال التجارية، في مشهد يجعلك تظن لوهلة أنك في دمشق أو بيروت، حسبما قال مواطنون عرب في ألمانيا.

كل ذلك وأكثر، يُظهر كيف عمل أكثر من مليون لاجئ دخلوا ألمانيا، خلال الفترة الماضية، على تغيير بعض ملامحها الثقافية والفكرية والدينية.

وتروي وكالة ”بلومبيرغ“ الاقتصادية، حكايات من الحي العربي في برلين، حيث يقول اللبناني محمود زعمط، وهو مدير أحد مطاعم الدجاج ”لم أر هذا الشارع بهذا الشكل من قبل.. لقد عشت في برلين أكثر من نصف عمري، وقد رأيت هذا الشارع يبدو كقطعة من بيروت أو دمشق“.

وفي الوقت الذي ازداد فيه الاصطدام بين اللاجئين المتدينين ومضيفيهم العلمانيين، في بلجيكا وفرنسا، عقب الهجمات التي استهدفت البلدين. لا يزال المشهد في برلين مختلفًا، ويظهر الامتزاج بين الحضارات المختلفة.

تعايش

وبينما تنادي العديد من الأصوات بإغلاق الحدود الألمانية أمام اللاجئين، تقول المستشارة أنجيلا ميركل، إن التعايش هو من أكبر التحديات التي تواجه بلدها.

لكن الوكالة أجرت عدة مقابلات مع مسلمين في كل من برلين وبروكسل وفيينا، أظهرت أن العديد منهم ”لا يستطيعيون التعايش أو لا يريدون أو لا يعرفون كيف. فبعضهم يقول إن العلمانية قد تضعف إيمانهم أو تؤثر على أبنائهم مما ساهم في انتشار المدارس الإسلامية، وبعضهم الآخر يقول إنهم يشعرون بأن اللوم يقع عليهم بسبب الهجمات القاتلة التي يقوم بها بعض الأفراد“.

من جانبه، يقول ماركوس زينر، وهو أكاديمي في برلين ”يجب أن نتجنب بأي ثمن نشوء الثقافات الفرعية لأنها تعتبر أراضي خصبة لنشوء التطرف. لقد فشلنا إلى حد ما حتى هذه اللحظة في تحقيق هذا الأمر بعكس ما هو حاصل في برلين أو بعض المناطق الأخرى“، مشيرًا إلى أن ”أحد معارفه أخرج ابنه من إحدى المدارس الابتدائية لأن الأطفال الآخرين لا يتحدثون الألمانية“.

هذا أيضًا ما حاول اللاجئ السوري فراس الشاطر، تحقيقه من خلال حيلة قام بها، حيث وقف معصوب العينين في وسط ميدان مزدحم في منطقة ”ألكسندر بلاتز“ مع يافطة مكتوب عليها ”أنا لاجئ مسلم ويجب على الناس أن يحتضنوني“ والعديد من الناس احتضنه فعلًا تعاطفًا مع وضعه، حتى عرف باسم ”رجل العناق“ في برلين.

ويقول الشاطر الذي يعيش في ألمانيا منذ ثلاثة أعوام، إن ”الأشد قسوة هو إقناع القادمين الجدد من اللاجئين العرب بأن التعايش لن يكون مضمونًا ولكنه ضروري. إنهم يطالبون بالحرية والديمقراطية، لكنهم لن يعطوها فعلاً للغير“.

أما بالنسبة لحسنه فاضل، وهي لاجئة سورية قدمت إلى برلين منذ بضعة أشهر، فهي تخاف على ابنتها البالغة أربع سنوات من أن تتأثر بالحياة الأوروبية وطبيعة العلاقات المنفتحة بين الجنسين. حيث تقول إن ”بعض المشاهد التي يراها الأطفال في كل مكان غير مقبولة دينيًا ولا اجتماعيًا بالنسبة لهم ولم يعتادوا عليها في بلدهم“.

في حين، وجدت سكينة علي، الحل الذي يمكن أن يعوض عن غياب المؤذنين وسماع الآذان في البلدة، حيث قامت بتحميل تطبيق الآذان من الإنترنت ، وفي إحدى المرات بينما كانت تركب قطار الأنفاق، صادف أنها كانت تجلس إلى جانب رجل ألماني تصدح الموسيقى من سماعات أذنيه وانطلق صوت الأذان من هاتفها، فصاح بها وطالبها أن توقفه. وتقول سكينة لماذا يحق له أن يستمع للموسيقى ولا يحق لي أن أسمتع للأذان. لقد ضايقني هذا الأمر كثيرًا.

ويشير أحد التقارير الصادرة مؤخراً إلى أن هناك أكثر من 150 مدرسة إسلامية في فيينا. ويقول حسن عبيد، وهو معلم بلجيكي من أصول مغربية، إنه يرى الكثير من العرب المسلمين يواجهون مثل هذه الصراعات في بروكسل. ويقطن حسن في نفس الضاحية التي تحوي الشقة المليئة بالمتفجرات التي وجدت بعد الهجوم الذي حدث في بروكسل منذ فترة، قائلاً إن ”هناك اختلافًا كبيرًا بين الحياة داخل المنزل والحياة خارجه“.

ويضيف أن ”العديد من الشباب يسألونه عن صحة الاختلاط في المدارس لأنهم قد تعلموا بأن الاختلاط بين الجنسين حرام. وسألوه هل يجب عليهم مغادرة المطعم إذا قام أحد رفاقهم بطلب الكحول؟ وهل الانتخابات محظورة كما يقول رجال الدين؟“.

على صعيد منفصل، وفي النمسا حيث تقوم الحكومة بعمل دورات توجيهية وتركز على ضمان أن تكون مرحلة التعليم في الطفولة المبكرة لا تعزز مبدأ ”نحن وهم“.

ففي أحد التقارير الممولة من الحكومة، يقول عدنان أصلان النمساوي من أصول تركية، وهو أستاذ للدراسات الإسلامية في  جامعة فيينا، إن ”هناك أكثر من 150 مدرسة إسلامية في المدينة وإن بعض المدارس الممولة من قبل الدولة تعالج فكر الطلاب الذين لديهم أفكار متزمتة وتعمل على تغيير أفكارهم القائلة إن الأوروبيين كفرة“.

ويقول مارتن كينل أحد الموظفين الكبار في وزارة التكامل النمساوية، إن ”الصعوبة في هذه المدارس أن الأيديولوجية تحد كثيرًا من التعايش وأن الدين له دور إيجابي كبير في الحد من التطرف“.

أما النمساوية من أصول مصرية، رانجا إبراهيم، ذات الـ31 عامًا، والتي تدرس الدكتوراه في العلوم الإسلامية في جامعة فيينا أيضًا، تقول إن ”وجود مثل هذه المدارس الإسلامية غير مفيد أبدًا إذا ما أردنا دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع النمساوي، إنهم لا يتعلمون اللغة ولا يدرسون الحضارة النمساوية“.

وبالعودة إلى سونينالي، حيث تعبق رائحة الدجاج المشوي والبيتزا اللبنانية، والسوريون يستمتعون بوجبة الفطور المبكر المؤلفة من الفلافل والفول، وتصدح فيروز بأغانيها الجميلة. يقول محمود زعمط مدير المطعم، إن ”المسلمين في ألمانيا يلقون معاملة أفضل بكثير من تلك التي يلاقونها في دول أوروبية أخرى، فالقانون الألماني هنا يساوي بيننا وبين الشعب الألماني ولا أشعر بأي عنصرية على العكس أشعر كأني في بلدي تمامًا“.

ويقول الألماني ماركو بيبي، الذي شاهد هذا الشارع والتغييرات التي طرأت عليه منذ بداية قدوم اللاجئين ”على الرغم من أن رفض اللاجئين غير محبب وغير إنساني، إلا أن ظهور مجتمعات موازية غير جيد بالنسبة للأعمال“، مضيفًا أن ”هناك نساء تتراوح أعمارهن بين الثمانين والتسعين يخشون القدوم لهذا الشارع لشعورهن بالغربة بسبب وجود شعب آخر فيه  والحل هو أنه يجب على كل من الطرفين أن يتقبل الآخر“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com