لغز جاسوس أمريكي اختفى منذ 8 سنوات في إيران

لغز جاسوس أمريكي اختفى منذ 8 سنوات في إيران

المصدر: إرم نيوز - حنين الوعري

تبحث وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ”سي أي إيه“ عن أحد عملائها ومستشاريها المفقودين في إيران منذ سنوات، يدعى روبرت ليفينسون الذي اختفى خلال تنفيذه إحدى المهام.

وتروي صحيفة ”نيويورك تايمز“ أن ليفينسون، البالغ من العمر وقتها 59 عاماً اختفى في شهر آذار عام 2007، في الخليج العربي قبالة السواحل الجنوبية لإيران على جزيرة كيش التابعة لطهران، بينما كان يحاول تجنيد قاتل مأجور هارب، أمريكي المولد، ليصبح عميلاً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في إيران.

11

وشوهد حياً لآخر مرة عام 2010 في فيديو لأسرى يطلبون النجدة وفي صور مرتدياً بذلة على نمط لباس سجناء معتقل غوانتانامو.

لكنه من غير المؤكد الآن إن كان ليفينسون، الذي كان حريصاً على توسيع دوره لدى الـ“سي آي إيه“، بعد أن كان عميلاً للمباحث الفيدرالية ”إف بي آي“ وقرر الذهاب إلى إيران من تلقاء نفسه، لا يزال على قيد الحياة.

وقبل عدة شهور من الآن أبرمت الولايات المتحدة اتفاقية تبادل أسرى مع إيران، وكان من ضمنهم أمريكيون محتجزون في سجن ”إيفين“ سيّئ السمعة في طهران. بينما كان ليفينسون غير مشمول في الاتفاقية.

وبعد مضي السنة التاسعة على اختفائه يقضى ليفينسون، حياته في العالم الخفي، العالم الذي يحاول فيه الجواسيس والعملاء إقناع المخبرين بالكشف عن الأسرار مقابل المال أو إتمام صفقات. هي لعبة محفوفة بالمخاطر يمكن أن تؤتي ثماراً كبيرة أو تسوء كثيراً، مثلما حدث في رحلة ليفنسون في إيران.

إلى ذلك كان العميلان السابقان في الـ“إف بي آي“، جوسيف أوبراين وأندريس كورينز على دراية بالعمل الذي يقوم به العميل المختفي.

وبعد اختفاء ليفينسون، حاول العملاء السابقون مساعدة المباحث لإيجاد صديقهم المفقود. حيث وظف أوبراين جنرالاً سابقاً في الجيش الإيراني للذهاب إلى طهران والبحث عن معلومات عنه. لكن تماماً مثل المحققين الآخرين الذين عرفوا ليفنسون، صدت الـ“إف بي آي“ عروضهم للمساعدة حيث أخبروا أحدهم ”أن عليه الاهتمام بشؤونه الخاصة وعدم التدخل..“

وبالعودة للأسير المفقود، عاش ليفينسون مع زوجته لسنوات عديدة في مدينة كورال سبرينغز، في فلوريدا، وقاما بتربية أبنائهم السبعة هناك، لكن كان انتماؤه الحقيقي لنيويورك. حيث نشأ في لونغ أيلاند، ودرس في جامعة المدينة، والتقى بزوجته المستقبلية في بار مانهاتن الشهير، تي جي آي فرايدي، وعمل على قضايا مشهورة كعميل للـ“إف بي آي“ وتحر خاص في نيويورك.

2

وقبل اختفائه، كان ليفينسون يذهب إلى نيويورك للقاء زبائنه أو محاولة العثور على مهام جديدة. فقال جيمس مينتز، رئيس شركة تحريات خاصة، إن ليفينسون زار مكتبه في مانهاتن قبل اختفائه ليرى إن كانت لديه قضايا متعلقة بإتجار المجرمين بالسجائر المزورة، وهو مجال اختصاصه. وعمل ليفينسون أيضاً مع إحدى الشركات الكبرى للتحريات والتحقيقات التي تعد صحيفة ”نيويورك تايمز“ أحد زبائنها.

كان ليفينسون المعروف بين أصدقائه بـ“بوب“ يحب مبادلة المعلومات مع الصحفيين المهتمين بالمؤامرات والتجسس. حيث قال براين روس، رئيس مراسلي التحقيقات لقناة ”إيه بي سي“ الإخبارية، والذي كان يعرف ليفينسون لعقود قبل اختفائه، إنه جاء لمقر القناة قبل اختفائه يحمل أخباراً لما يبدو أنه سيكون سبقاً صحفياً، لكنها كانت معلومة غير نافعة للصحيفة لعدم دقتها.

وأخبر ليفينسون أبناءه أنه كان يعلم منذ أن كان في الثامنة من عمره أنه يرغب بأن يكون عميلاً للـ“إف بي آي“. وقال إن إلهامه لذلك جاء أثناء مشاهدته فيلماً اسمه ”ذي هاوس أون 92 ستريت“، وهو فيلم بميزانية منخفضة تدور أحداثه حول طالب جامعي يعمل خفيةً مع الـ“إف بي آي“ خلال الحرب العالمية الثانية لتبديد حلقة تجسس للنازيين.

وفي مراهقته، كان ليفينسون يحب قضاء الوقت في عليّة منزل عائلته في منطقة نيو هايد بارك، نيويورك وهو يمثل الأحداث الدرامية لقاعات المحاكم. ولإدارة حوار تمثيلي، كان يستخدم نصوصا من محاكمات حقيقية كتبتها والدته، حيث كانت تعمل كمدونة بدوام جزئي للمحكمة.

ومنذ بداية حياته المهنية، كان ليفينسون يرى نفسه جامعا للمعلومات، وشخصا ماهرا في استخلاص المعلومات من الأشخاص التواقين للتملص من القانون، أو الأشخاص الذين يحتاجون لخدمة في المقابل، مثل الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة.

وفي نهايات السبعينيات، كان حصل على الوظيفة التي يحلم بها، حيث كان يعمل في مكتب الـ“إف بي آي“ في نيويورك منسقاً للاستخبارات عن المافيا التي تجمعت في منطقة التجمع السياسي للمدينة.

علم أوبراين، الذي كان يرغب أيضاً في العمل في التحقيقات حول العصابات، أنه عثر على مرشده وقدوته عندما التقى ليفينسون لأول مرة. فقال أوبراين مستذكراً أن مكتب ليفينسون كان مصفوفاً بصور لرجال العصابات وبالرسوم التخطيطية التي تبين التسلسل الهرمي لعائلات العصابات الكبرى في نيويورك.

وفي عام 1983، تشارك الرجلان بجائزة للإنجاز من الـ“إف بي آي“، وبعد وقت قصير اعتقل أوبراين كاستيلانو. لكن أوشكت مسيرة ليفينسون المهنية مع الـ“إف بي آي“ على الانتهاء بسبب تسليمه لمخبر في قضية مافيات كبيرة أخرى قضية من شأنها أن تشمل رايموند دونوفان وزير العمل للرئيس الأمريكي حينها رونالد ريغان.

3

كان مصدره معلم مدرسة سابق اسمه ميشيل أورلاندو، وانحرف من مهنته وتوجه للسرقة. وعند مواجهته بقضائه وقتاً أطول في السجن، وافق على التعاون مع الـ“إف بي آي“ والعمل كمُخبر في قضية لعائلات عصابات محلية أخرى؛ عائلة جينوفيس.

كان يعتقد ليفينسون أن وجود أورلاندو ضروري لبناء قضية شاملة من شأنها أن تؤدي إلى رفع التهم ضد سياسيين ورؤساء الأعمال وضباط الشرطة. لكنه اشتبه بعض المسؤولين في المكتب أن عميل الـ“إف بي آي“ كان سقط في الفخ الكلاسيكي للمخبرين، المتمثل في تقديم أورلاندو معلومات قليلة بينما يستفيد من وضع الحماية، ليقوم بتنفيذ الجرائم.

حارب ليفينسون وعملاء آخرون للاستمرار في استخدام أورلاندو. لكن أدى قرار المشرفين في الـ“إف بي آي“ لاعتقال أورلاندو وإنهاء التحقيق إلى نشوء خلاف مرير داخل المكتب الفيدرالي خسر بسببه ليفينسون وظيفته في نيويورك؛ ما قاده لأخذ القرار بالرحيل إلى فلوريدا.

أما في فلوريدا، فقد أصبح ليفينسون خبيراً في عصابات المخدرات الكولومبية وجرائم روسيا المنظمة ضمن مكتب الـ“إف بي آي“ في ميامي. وبعد تقاعده في عام 1998، أخذ الطريق المألوف الذي يتوجه له العديد من العملاء السابقين وهو القطاع الخاص. حيث عمل لدى شركات التحقيقات وبدأ بإنشاء عمله التحري المستقل.

عندما اختفى ليفينسون، انتشرت النظريات بين أصدقائه حول ما حدث معه. فاعتقد بعضهم أن رجال العصابات الروسية هم من أمسكوا به. واعتقد آخرون أن مهربي السجائر اغتالوه. لكن آخرين اعتقدوا أن الرجل الذي ذهب للقائه في إيران، داوود صلاح الدين، المعروف سابقاً باسم تيدي بيلفيلد، قاده نحو فخ.

وقال التحريون ومنهم صديقه كورينز إنهم لا يصدقون القصة التي روتها الحكومة الأمريكية حول سبب وجود ليفينسون في إيران، وهي أنه ذهب إلى هناك لرصد السجائر المزورة. فقال كورينز ”يستحيل ذهابه لجزيرة كيش على قضية سجائر فحسب“.

5

وبعد مرور عدة أشهر على اختفاء ليفينسون، تفقد أحد زملائه في نيويورك المحامي جون موسكو بريده الإلكتروني ووجد ما بدا أنه دليل. كان موسكو، مدع عام سابق في مكتب محاماة مقاطعة مانهاتن، من بين العديد من الأشخاص الذين أرسل لهم ليفينسون، أو من أدعى أن ليفينسون، راسله يطلب مساعدة المسؤولين الأمريكيين.

وأفاد موسكو أنه سلم الإيميل للـ“إف بي آي“، وأضاف أنه لم يتلق أي رد من مسؤولي المكتب. فقال ”أخبروني أنهم سيتباحثون في موضوعه“.

وأخبر مسؤولو الـ“إف بي آي“ عائلة ليفينسون أن الايميل زائف. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، عند وصول إيميل يحتوي على فيديو يظهر فيه ليفينسون رهينة، بدا أن المكتب الفيدرالي قد ارتكب خطأً مفصلياً.

فوفقاً لكتاب جديد حول ليفينسون والبحث عنه تبين أن الإيميل المرسل في عام 2007 والرسالة مع الفيديو المرسل في عام 2010 وصلا من حسابات على جيميل بأسماء متشابهة.

ومع مرور الوقت، وظف الـ“إف بي آي“ العديد من الشخصيات للبحث عن ليفينسون، من بينهم الملياردير الروسي أوليغ ديريباسكا. ثم قرر أوبراين أخذ إجراءات لازمة بنفسه بعد إحباطه من عدم إحراز أي تقدم.

في البداية حاول تعيين باحث في طهران للبحث في الصحف والسجلات العامة لأي ذكر لليفينسون. لكن لم تنفذ هذه الخطة على أرض الواقع. وفي عام 2009، اتصل عميلان من الـ“إف بي آي“ في واشنطن به وأخبراه أنهما يرغبان بلقائه.

حينها قال أوبراين إنه التقى برجلين التزما في البداية بتفسير الحكومة لسبب وجود ليفينسون في إيران. لكن عندما بدأ أوبراين بالضغط على زائريه، أظهرا الانفتاح له.

ليخبره العميلان بوجود خلافات داخلية في الـ“سي آي إيه“ حول كيفية الرد في السر والعلن على اختفاء ليفينتون. فقال أوبراين ”كان ذلك ليحرج السي آي أيه، ولم يكن هذان العميلان يشعران أن الوكالة تخبرهما الحقيقة.“

وأضاف أن العميلان أخبراه أن مجلس الأمن القومي يدرس إصدار احتجاج رسمي يتهم إيران بإمساك ليفنسون رهينة، وهي خطوة لم تنفذها إدارة أوباما. 

وفي عام 2012، اكتشف أوبراين وجود ثغرة. ففي وقت سابق طلب من أحد جيرانه، وهو جنرال متقاعد في الجيش الإيراني، في منزله للعطل في جبال بوكونو السؤال عن ليفينسون عند ذهابه لوطنه.

1

فرد عليه الجنرال السابق مشيراً إلى أن صديقه المقرب الجنرال الإيراني ذو صلات جيدة وكان يخشى التحدث في القضية.

لكن أوبراين استطاع في وقت لاحق استخدام تكتيك مألوف لدى ليفينسون وهو الاستفادة من سوء حظ مصدره لصالحه.

فعندما زار أوبراين صديقه الإيراني-الأمريكي ليتمنى له يوم آب سعيد، وجده منزعجاً لأن الـ“إف بي آي“ ألقوا القبض على ابنه بتهم الاحتيال.

مستشعراً إمكانية عقد صفقة، عرض أوبراين على جاره محاولة الوصول لحكم مخفف لابنه من وزارة العدل إذا عاد لإيران وطلب من زميله السابق هناك معلومات حول ليفينسون لإنقاذ ابنه.

ووافق الرجل وعاد إلى إيران، وبقي بانتظار إشارة بأن الاتفاق لصالح التخفيف عن ابنه تم. لكنه لم يحصل على تلك الإشارة، لأن كل من تواصل معهم أوبراين من وزارة العدل ومن الـ“إف بي آي“ وضعوا حواجز أمام تخفيفه للحكم.

فقال أوبراين ”أخبرني أحد المسؤولين في الإف بي آي أنهم حاولوا عقد الصفقات لكنها لم تثمر أي نتائج مهمة.“

فمنذ عامٍ تقريباً والـ“سي آي إيه“ تضلل الـ“إف بي آي“ والكونغرس حول علاقتها به وتركت عائلة ليفينتون في مهب الريح.

ولا يزال البيت الأبيض اليوم يرفض مواجهة طهران مباشرةً حول قضية التحري المفقود، بالرغم من أن العديد من الخبراء يقولون إنهم يعتقدون أن عناصر داخل جهازالمخابرات الإيراني الممتد شاركوا في القبض عليه واعتقاله.

وقالت إدارة أوباما إنها ملتزمة بمحاولة إيجاد ليفينسون.

وقال أوبراين وكورينز إنهم يخططون لتكريس أرباح متابعات كتابهم الأكثر مبيعاً في عام 1991 ”بوس أوف بوسز“ حول قضية كاستيلانو لزوجة وأبناء ليفينسون، حيث استقال كلاهما من الـ“إف بي آي“ بسبب الخلافات التي سببها الكتاب، ويقول أوبراين إنه لن يتقبل حقيقة أن الحكومة الأمريكية لم تصر على إرجاع ليفينسون، أو على الأقل الحصول على معلومات حول مصيره، خلال مبادلة الأسرى التي تمت في وقت سابق من هذه السنة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com