الشتاء على الأبواب .. وألمانيا تبحث عن بيوت لايواء اللاجئين

الشتاء على الأبواب .. وألمانيا تبحث عن بيوت لايواء اللاجئين

سيل- في مخيم فسيح بمدينة سيل الألمانية، يجلس لاجئون يرتدون كنزات ثقيلة حول مدفأة وهم يدخنون السجائر بينما تصل إلى أسماعهم نقرات المطر المتساقط على الخيمة البيضاء المكدسة بأشيائهم والتي أصبحت بيتا لهم، والبعض منهم أصابه المرض وبدأ يخشى سقوط الثلوج.

وقال مزارع سوري يدعى طاهر (25 عاما) إن ”الطقس بارد جدا لا أستطيع حتى مغادرة الخيمة“.

ومع اقتراب فصل الشتاء، تبذل السلطات الألمانية جهودا حثيثة لإيجاد أماكن إقامة بها وسائل تدفئة لإقامة الآلاف من اللاجئين المتدفقين على ألمانيا كل يوم، بل إنها لجأت إلى الصالات الرياضية وبيوت الشباب والمباني الإدارية الفارغة.

غير أنه مع نفاد هذه الخيارات، أصبحت مدن الخيام هي الخطة البديلة وذلك رغم انخفاض درجات الحرارة، حيث أظهر تقرير لصحيفة ”دي فيلت“ الألمانية أن 42 ألف لاجئ على الأقل مازالوا يعيشون في الخيام.

وبدأ تحدي العثور على المسكن الملائم يتحول إلى واحد من أكبر الاختبارات التي تواجه حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تشبثت بشعارها ”بوسعنا أن نفعل ذلك“ في مواجهة شكوك متزايدة بين أفراد الشعب.

وفي مواجهة توقعات بقدوم عدد قياسي من المهاجرين للبلاد قد يتجاوز مليون فرد في العام الحالي وحده، فقد يكون فصل الشتاء حاسما في تحديد رأي الألمان فيما إذا كان من الممكن احتواء الأزمة أم لا.

وقال مستشار طلب عدم الكشف عن اسمه ”بكل تأكيد يمكننا إدارة هذه الأزمة، لكن يمكنك تصور أسوأ احتمال نشهد فيه أعمال شغب خلال الشتاء“.

برد ومطر

ويسع المخيم الواقع على مشارف مدينة سيل ألف شخص، وسيل مدينة قديمة في شمال ألمانيا نجت من الحرب العالمية الثانية دون أن يلحق بها أذى ويتباهى أهلها ببيوتها ذات الأطر الخشبية التي تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم القصص الخيالية ويرجع تاريخ بناء بعضها إلى القرن السادس عشر.

وتضخ مدافئ تعمل بوقود الديزل الهواء الساخن في الخيام بتكلفة تبلغ أربعة آلاف يورو يوميا، لكن اللاجئين الذين يتجول بعضهم بـ“الشباشب“ يشكون من البرد.

وقالت طبيبة الأسنان العراقية شهد العبادي التي تبلغ من العمر 26 عاما: ”المشكلة في الشتاء أنني أضطر للخروج إلى المرحاض غالبا مرتين كل ليلة، وفي كثير من المرات يكون الجو باردا وممطرا“.

وترتدي شهد معطفها وهي تتناول وجبة العشاء في العنبر الواسع المستخدم كقاعة للطعام في المخيم.

وخلال الأسبوع الأخير، انخفضت درجات الحرارة في سيل لما يقرب من درجة التجمد، وقد بدأ سقوط الثلج بالفعل في بعض أنحاء ألمانيا حيث يتوقع خبراء الأرصاد الجوية تشكل الصقيع على الأرض في بعض المناطق في الأيام المقبلة.

وقال المتحدث باسم منظمة ”مالتيزر“ للمساعدات التي تدير المخيم، مايكل لوكاس، إن الخيام لا تقي الناس برد الشتاء وخفيفة للغاية على الإقامة فيها بصفة دائمة.

وأشار لوكاس إلى إنه كان من المقرر استبدال الخيام بأكواخ، لكن الموردين لم يسلموها رغم أن أمر التوريد صدر منذ أسابيع، مبينا أن نفدت الأكواخ في كل مكان.

بدوره، قال نائب مدير جماعة برو أسيل التي تدعم حقوق اللاجئين بيرند ميسوفيتش إن مستوى وسائل الإقامة المعتادة التي تقدمها ألمانيا أغنى دول أوروبا قد انخفض.

وأضاف ميسوفيتش أنه ”في الصيف كانت السياسة الرسمية أن نقول إننا سنضمن خروج اللاجئين من الملاجئ المؤقتة وخصوصا الخيام وكذلك الصالات الرياضية قبل الشتاء، لكن أصبح عليك الآن أن تقنع بوجود مكان من أي نوع للإقامة“.

وفي ولاية هيسه، تم نقل 380 لاجئا من مدينة للخيام، الخميس الماضي، إلى أماكن إقامة ثابتة بعد أن قال مدير المخيم إنه لم يعد يستطيع تحمل مسؤولية نوم الناس في الخيام في الطقس البارد.

وقالت وسائل إعلام ألمانية إن نحو 100 لاجئ تظاهروا في مدينة هامبورج، الثلاثاء الماضي، للاحتجاج على النوم في خيام ليس بها وسائل تدفئة وهم يحملون لافتات شكوا فيها من شعورهم بالبرد مطالبيت بإزالتها.

وقال رئيس بلدية هامبورج أولاف شولز إنه رغم الجهود المبذولة لجعل الخيام تتحمل برد الشتاء وايجاد بدائل فإن ”الأولوية القصوى الآن هي تجنب التشرد“.

وفي برلين أشارت السلطات إلى أنها ستتخلص من الخيام بمجرد فتح ثلاثة مراكز كبيرة جديدة للإيواء، كما تعتزم السلطات نقل لاجئين للإقامة في مطار ”تمبلهوف“ الذي بني في العهد النازي وكان شريان حياة لبرلين الغربية خلال الحصار السوفيتي بعد الحرب العالمية.

وأوضح ميسوفيتش أنه في كثير من الأقاليم، مازال بعض من حصلوا على وضع اللاجئين يعيشون في مبان مخصصة للوافدين الجدد بسبب عدم وجود وحدات إسكان اجتماعي، معتقدا أن تهيئة مبان مخصصة لأغراض أخرى قد يستغرق شهورا.

وقال رئيس قسم الهجرة في منظمة جامعة للجمعيات الأهلية الألمانية، هارالد لولاين، إن التدفق السريع غير المتوقع للاجئين أرغم السلطات على الإرتجال.

وانتقد لولاين التأخر في صرف مستحقات المنظمات التي تدير مراكز للاجئين مبينا إن ذلك يردع الناس عن فتح مراكز جديدة.

خطر الشجار

وتشعر الجمعيات الخيرية بالقلق خشية أن يؤدي البرد والزحام إلى انتشار أمراض بين اللاجئين، حيث قال الطبيب بالمركز الطبي لمدينة الخيام في سيل هربرت هيسلر إن ثلثي اللاجئين مصابون بالبرد.

ولفت هيسلر إلى أن إحدى المشاكل تتمثل في أن الغسيل المنشور في مختلف أنحاء المخيم لا يجف على النحو السليم، فيمرض اللاجئون لارتداء ملابس مبللة.

وتحذر جماعات الإغاثة من تزايد خطر نشوب صراعات في المخيمات بسبب الشتاء في غياب ما يشغل اللاجئين.

وقال لولاين ”يمكنك الخروج والتنقل بعض الشيء إذا كان الجو دافئا لكن حياتك كلها تنحصر في الداخل في الشتاء وهذا يجعل العيش في هذه المساكن المغلقة أكثر مدعاة للاصابة بالاكتئاب“.

ويدرك بلال (30 عاما) الذي درس الاقتصاد هذه المشكلة جيدا، إذ يقول إن المشاجرات التي يغذي بعضها شرب الخمور من الأحداث اليومية في مخيم مدينة سيل.

ومع ذلك فثمة أمل

وقال مالتيزر إن الدفعة الأولى من الأكواخ ستصل إلى سيل الأسبوع المقبل، لكن رئيس بلدية المدينة ديرك أولريخ منده أشار إلى أنه إذا تأخر تسليم الأكواخ من جديد فسيضطر اللاجئون على الأرجح للبقاء في خيامهم.

وقال خلدون كريم (27 عاما) وهو طبيب أسنان قادم من العراق إن ”الناس قالوا لي إنني ذاهب إلى الجنة وإن العمة ميركل ستجعل كل شيء على مايرام، وعندما شاهدت الخيمة دار في خلدي أن العمة ميركل خبيثة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com