هل فشلت أوروبا في التصدي لأزمة المهاجرين؟

هل فشلت أوروبا في التصدي لأزمة المهاجرين؟

بروكسل- أعلن زعماء الاتحاد الأوروبي، هذا الأسبوع، أنهم فشلوا في وجه مأساة إنسانية على أعتاب بلادهم، لكن تلك المأساة المتمثلة في أزمة المهاجرين ربما تجد لها سبيلاً أفضل الآن.

الفشل واضح لا لبس فيه. فمن بين الملايين الفارين من الحروب والاضطهاد والبؤس هناك مئات الآلاف بلغ بهم الإحباط حد الاستهانة بمخاطر البحر من أجل الوصول لأوروبا. هلك آلاف، لكن أعداد الهالكين ما زالت في تزايد رغم ما يلقاه الوافدون للأراضي الأوروبية من استقبال مر يتمثل في الأسلاك الشائكة، والجوع، والأماكن القذرة، ناهيك عن مستقبلين يعكفون على تبادل اللوم على بعضهم البعض لا على واجبهم المشترك في مد يد العون.

ربما كان ذلك السلوك في سبيله للتغير وإن كان من الصعب القطع بذلك لكنه يسير بخطى شديدة البطء بالنسبة لأمهات يرضعن أطفالا مرضى على قوارب متهالكة أو أناس يتلهفون على استنشاق نسمة هواء داخل شاحنة مكدسة في إحدى دول البلقان.

هناك بارقة أمل تتمثل في إقامة منشآت جديدة للاعتناء بالنازحين وتقييم طلبات الوافدين وفي رسم خطط لتخفيف وطأة الضغوط عن إيطاليا واليونان وغيرهما من الدول الحدودية وفي وضع ما هو أشبه بخطة حظيت بتأييد واسع في أنحاء الاتحاد الأوروبي لمعالجة المشاكل المكلفة الطويلة الأمد في الشرق الأوسط وإفريقيا.

قال ليونارد دويل، المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة التي يقع مقرها في جنيف والتي انتقدت سياسات الاتحاد الأوروبي في السابق: ”لا يجري البحث عن حل إلا حين تقع أزمة. والمشروع الأوروبي يسير ويتوقف“.

وبعد صيف شهد خلافات ومشاجرات يلمس دبلوماسيون عزماً جديداً للتحرك من جانب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فهي تصف أسوأ أزمة هجرة تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية بأنها أكبر تحد تواجهه منذ تولت منصبها قبل عشرة أعوام، وهو ما يبرز ليس فقط البعد الإنساني للأزمة ولكن أيضا الخطر الذي تمثله على وجود الاتحاد الأوروبي ككل من خلال إطلاق العنان لقوى قومية من شأنها أن تقسم الأوروبيين.

وقالت ميركل بعد أن أجرت محادثات في فيينا أمس الخميس مع زعماء دول البلقان المجاورة: ”العالم يتفرج علينا.. أنا على يقين بأن أوروبا -لكونها قارة غنية- قادرة على حل المشاكل“.

عبور الخندق

قبل أربعة أشهر هب زعماء الاتحاد الأوروبي للتحرك عندما غرق 800 شخص في سفينة متهالكة. وتراجعوا عن قرار خفض الدوريات البحرية رغم المخاوف من أن يغري هذا آخرين على عبور البحر.

ووسط مشاعر الخزي من الإيحاءات بأن القلعة الأوروبية تتنصل من المسؤولية البادية من وراء ”خندق“ البحر المتوسط، يقول الاتحاد الأوروبي إنه ”أمكن إنقاذ 95 ألف شخص هذا العام حتى الآن بينما غرق حوالي 500 منذ نيسان/ أبريل الماضي مقارنة مع 1800 شخص خلال الأربعة أشهر السابقة“.

وفي غضون أسابيع، كانت المفوضية الأوروبية في ظل رئيسها الجديد، جان كلود يونكر، قد صاغت ”جدول أعمال بخصوص الهجرة“ أقره زعماء الدول الأعضاء في حزيران/ يونيو الماضي رغم الخلافات حول حجم المشاركة في تحمل العبء والتي لم تحل بعد، ناهيك عن غضب الأحزاب المناهضة للهجرة.

وجرى الاتفاق على خطة رائدة لاستقبال مزيد من اللاجئين السوريين من الشرق الأوسط مباشرة وإعادة توزيع بعض من مئات الآلاف من طالبي اللجوء المحتشدين في إيطاليا واليونان وترحيل المزيد ممن لم تقبل طلبات الحماية التي تقدموا بها وزيادة المعونات إضافة إلى جهود أخرى لإثناء الأفارقة عن الهجرة.

وقالت إليزابيث كوليت، مديرة قسم شؤون أوروبا في معهد سياسات الهجرة، وهو مؤسسة بحثية مقرها واشنطن: ”إذا نظرنا من منظور أوروبي سنجد أن ما حدث من تقدم خلال الشهور الأربعة الماضية يبرق سريعا.“

وأضافت أن ”أوروبا تواجه الآن منحنى شديد الانحدار يربط بين السياسات المتعلقة بسوريا وليبيا ومعونات التنمية والدفاع والعلاقات مع الطامحين للانتماء للاتحاد الأوروبي في البلقان وتركيا إضافة إلى آليات قوية للنظر في طلبات اللجوء والتنقل بلا تأشيرات بين دول الاتحاد.

العمل تحت ضغط

في العام الماضي تقدم 626 ألف شخص بطلبات للجوء في الاتحاد الأوروبي في زيادة نسبتها 65% عن العدد عام 2013. وعدد العام الماضي يزيد ثلاث مرات تقريبا عنه في 2008 عندما عصفت الأزمة الاقتصادية بأوروبا وجرفت معها فرص العمل.

ويبدو من المؤكد أن يكسر العدد هذا العام الرقم القياسي الذي تم تسجيله عام 1992 خلال حروب البلقان وكان أعلى رقم منذ الحرب العالمية الثانية في 1945.

وقالت ألمانيا وحدها إنها تتوقع التعامل مع نحو 800 ألف وافد وهو عدد يزيد أربع مرات عنه في العام الماضي.

ومع هذا برزت صعوبة وضع سياسة مشتركة عندما رفض الزعماء غاضبين اقتراحا تقدم به يونكر بقبول حصص ملزمة لتخفيف عبء استقبال عدد مبدئي قدره 40 ألفا من الساعين للحصول على اللجوء عن إيطاليا واليونان. رفض الزعماء أخذ ”إملاءات“ من بروكسل وقالت الدول الشرقية ببساطة إنها لن تتمكن من استيعاب المهاجرين.

هناك الآن مجموعة من التعهدات الطوعية لاستقبال نحو 32 ألف لاجئ ومهاجر في إطار خطة رائدة ”لإعادة التوطين“. ومع هذا يعتزم يونكر تنفيذ آلية جديدة دائمة بحلول كانون الأول/ ديسمبر يجري فيها تخفيف عبء اللاجئين عن دول الاتحاد التي تشهد زيادة كبيرة في أعداد الوافدين.

وفي صقلية وبالقرب من أثينا يجري إعداد منشآت للتخفيف عما يطلق عليه ”النقاط الساخنة“ وهي مراكز التعامل مع اللاجئين حيث سيساعد عاملون من دول أوروبية أخرى في تسجيل أسماء المهاجرين ورفع بصماتهم.

وإضافة إلى التعهدات باستقبال 22 ألف سوري عبر مراكز الأمم المتحدة -في خطوة يصورها مسؤولو الاتحاد الأوروبي على أنها تمهد لدور أكبر في الاعتناء بأمر أربعة ملايين لاجئ سوري بالشرق الأوسط- سيبدأ تطبيق نظام إعادة التوطين الشهر المقبل.

وتتضمن الخطط أيضا وضع قائمة بأسماء الدول ”الآمنة“ التي يفترض على نطاق واسع أن مواطنيها ليسوا في حاجة ماسة للحماية. وسيشمل هذا دول البلقان الساعية للانضمام للاتحاد الأوروبي إذ ستكون طرفا في الجهود الرامية للإسراع بترحيل طالبي اللجوء الذين لم تقبل طلباتهم. وفي الوقت الحالي لا يُرحل عادة إلا نصف من تلقوا أوامر بالرحيل.

وتقول مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن ”الترحيلات تخفف الأعباء عن الموارد التي يحتاجها استقبال الوافدين الجدد وتعزز في الوقت نفسه من التأييد العام لطلبات اللجوء“.

وسيربط الاتحاد على المدى الأطول المعونات بجهود الحكومات لإثناء شعوبها عن الهجرة شمالا وقد يعرض نسبة أكبر من الهجرات المشروعة إلى منطقة تتزايد فيها أعداد المسنين.

ويقول المتخصصون في مجال الهجرة إن ”التفكير على المدى الأبعد محل ترحيب.. فأزمة اللاجئين السوريين وحدها من المرجح أن تبقى لأعوام“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com