تركيا.. حروب أردوغان الثلاثة

تركيا.. حروب أردوغان الثلاثة

المصدر: إرم- من مدني قصري

بعد أن ظلت لزمن تعتبر نموذجا لانتقال الدول الإسلامية الاستبدادية التي تمر بمرحلة انتقالية، نحو الديمقراطية، يبدو أن تركيا أردوغان تسعى لهدم هذه الصورة، في خياراتها السياسة الداخلية وفي السياسة الخارجية على السواء، فالرئيس رجب طيب أردوغان يخوض على طريقة بوتين عدة جبهات، ويبدو على استعداد لتقويض استقرار بلاده للبقاء في السلطة.

تقول صحيفة الاكسبريس الفرنسية إن هناك ثلاث بؤر رئيسية للتوتر:

الحرب ضد ”الدولة الإسلامية“

منذ إعلان أنقرة عن التزامها بمكافحة تنظيم ”الدولة الإسلامية“، في أعقاب الهجوم الذي وقع في سروج، والذي أسفر عن مقتل 28 شخصا يوم 20 يوليو/تموز الماضي، لم يبلَّغ رسميا إلا عن ثلاث غارات ضد تنظيم ”الدولة الإسلامية“، في حين صعد الجيش هجماته ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) في العراق، وضد الناشطين الأكراد في تركيا.

وأعلنت أنقرة يوم الأربعاء الماضي عن إطلاق ”كفاح واسع النطاق“ ضد داعش، ولكن في هذه المرحلة، وباستثناء افتتاح قاعدة إنجرليك الجوية للسماح لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة بضرب الجهاديين في سوريا، وفرض مزيد من المراقبة على معابر الجهاديين نحو هذا البلد المجاور، فإن تنفيذ هذا الالتزام ما زال متعثرا.

الكثيرون يستنكرون سلبية، بل وتواطؤ تركيا مع الجهاديين، في هذا الشأن يقول جان ماركو، وهو أستاذ في العلوم السياسية في جامعة غرونوبل بفرنسا، والمتخصص في الشؤون التركية: ”رسميا، السلطات التركية تبرر نفسها بالادعاء أن الولايات المتحدة طلبت منها أن تنسق عملها أوّلا مع التحالف الدولي قبل اتخاذ الضربات ضد داعش.. أردوغان يرى في الدولة الإسلامية تهديدا طفيفا بالمقارنة مع الأكراد، في حين أن نسبة كبيرة من الرأي العام في تركيا، وعلى الرغم من خطب القادة، تعتبر تهديد داعش أكثر خطورة من تهديد حزب العمال الكردستاني، بما في ذلك داخل أنصار حزب العدالة والتنمية“.

 

الحرب ضد حزب العمال الكردستاني

يبدو بعيدا جدا الزمن الذي كان يُشاد فيه بأردوغان كأول زعيم تركي شرع في مفاوضات سلام مع الأكراد، من أجل إنهاء الصراع المسؤول عن وفاة ما يقرب من 40000 شخص في 30 عاما.

 وقد كان حزب العدالة والتنمية أول حزب في السلطة يعترف بشرعية القضية الكردية ويمنح الحقوق الثقافية لهذه الأقلية الهامة (15-20٪ من السكان).

 ولكن منذ الأزمة السورية، تغير الوضع، وتخشى أنقرة من نشوء منطقة حكم ذاتي كردي في سوريا، على طول الحدود، تحت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يمثل توسعا سوريا لحزب العمال الكردستاني، فمع توطيد الحكم الذاتي لأكراد العراق، فإن أي تعزيز للسلطة الكردية في سوريا قد يعزز الطموحات الانفصالية لدى أكراد تركيا، وهذا واحد من الأسباب التي أدت بأنقرة إلى إجراء هذه ”الحرب ضد الإرهاب“ التي استهدفت أهم هجماتها حزب العمال الكردستاني المتمركز في العراق، فما لا يقل عن 390 متمردا كرديا قتلوا، وجرح 400 آخرون في أسبوعين جراء غارات الطيران التركي في شمال العراق.

ويقول المراقبون إن رغبة أنقرة في إنهاء الصراع وجدت صدى لدى حزب العمال الكردستاني، وهي المنظمة المصنفة جماعةً إرهابية باستمرار من قبل معظم الدول الغربية، فيما تستند هذه الأخيرة جزئيا على البيشمركة لمواجهة داعش في العراق وسوريا.

ولقد شن حزب العمال الكردستاني هجمات عديدة ضد قوات الأمن التركية ”انتقاما“، على حد قوله، من مهاجمة سروج، إذ قتل أكثر من عشرين جنديا أو شرطيا تركيا منذ بداية هذه الدورة الجديدة من العنف.

ويقول جان ماركو: ”منذ أواخر عام 2012، تعثرت عملية التفاوض. لقد انتقلت إلى المرتبة الثانية بعد انتفاضة حديقة جيزي، وفضائح الفساد، وحرب أردوغان ضد جمعية غولن، وآجال الانتخابات، وهو ما أفسح المجال للفروع الأكثر راديكالية في المنظمة ”.

ويرى المحللون أن حزب العمال الكردستاني يسعى دائما لإخفاء الانقسامات الداخلية وراء عبد الله أوجلان، لكن هذه الخلافات لا تزال قائمة. 

الحرب ضد حزب الشعب الديمقراطي

لقد رأى معظم المراقبين، في عملية ”مكافحة الإرهاب“، فخا نُصّب لحزب الشعب الديمقراطي (HDP) الذي يرأسه صلاح الدين دميرتاز، والذي يعتبر الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني.

ونجح هذا الحزب في توسيع قاعدته في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 يونيو/ حزيران.

 فمع 13٪ من الأصوات و 80 نائبا تمكن هذا الحزب من حرمان حزب العدالة والتنمية (الإسلامي المحافظ) الذي يرأسه أردوغان من الأغلبية المطلقة التي كان يمتلكها منذ 13 عاما.

ويعتقد المراقبون أن تشكيل حكومة ائتلافية قبل الموعد النهائي في 23 أغسطس/آب يبدو أمرا مستبعدا جدا، بالنظر إلى المطالب التي تقدم بها أردوغان، من جهة، والشريكان المحتملان، كماليّو حزب الشعب الجمهوري، أو قوميو حزب النشاط القومي، لذا قد تعقد انتخابات جديدة في فصل الخريف.

ويقول جان ماركو: ”صلاح الدين دميرتاز، بإدانته الهجمات ضد القوات المسلحة، مع دعوة حزب العمال الكردستاني لـ  ”سحب إصبعه من الزناد“ واحترام وقف إطلاق النار مع الدولة التركية، يبيّن أنه رجل سياسي تركي مسؤول“.

 ويضيف ماركو: ”يبدو هذا الرجل كأنه يقول ”أنا أسعى لتخفيف التوتر، في حين ينفخ الآخرون في الجمر لتحقيق مكاسب شخصية“.

ويضيف الباحث: ”إن نجاحات أردوغان الانتخابية المتكررة كانت مرتبطة جزئيا بالنمو الاقتصادي القوي في بدايات حزب العدالة والتنمية، ولكن النمو انخفض بأكثر من 8٪ في عام 2011 وإلى 2٪ منذ عام 2012“.

ويوضح الباحث جان ماركو: ”لقد بينت استطلاعات الرأي، خلال الانتخابات البرلمانية في يونيو، أن الأتراك كانوا قلقين بسبب هذا الانخفاض. ومن المواضيع المثيرة للقلق الحرب في سوريا المجاورة، والتي كان تدفق اللاجئين (حوالي مليوني لاجئ) واحدا من عواقبها“.

ويقول ماركو: ”الأتراك قلقون للغاية من مخاطر هذه الحرب على اقتصاد بلدهم. ففي كل يوم يحكم جزء كبير من الرأي العام على رجب طيب أردوغان شخصيا بمسؤوليته في تدهور المناخ الحالي. لقد قدم الكماليون أيضا تنازلات لتشكيل ائتلاف، حتى يحملوا الرئيس في حال الفشل، اللوم. لقد أوحوا بأنهم يستطيعون التوافق مع رئيس الوزراء، أحمد داود أوغلو، إن إستراتيجية أردوغان لا تخلو إذن من المخاطر على مستقبله السياسي“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com