التنافس على الغاز في شرق المتوسط يهدد الأمن الإقليمي  

التنافس على الغاز في شرق المتوسط يهدد الأمن الإقليمي  

المصدر: إرم ـ أبوظبي

تعج منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، بالنزاعات الحدودية، فهناك خلاف بين لبنان وإسرائيل، وبين الشطرين اليوناني والتركي من قبرص، مما يهدد بإغراق المنطقة  في صراع جيواستراتيجي، خاصة مع اكتشاف كميات كبيرة من النفط والغاز فيها، ومع وجود قوى كبرى ذات أطماع في هذه الموارد، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وروسيا.

وتسلط دراسة أعدها مركز التحليل البحري بواشنطن، الضوء على الاكتشافات البترولية في شرق البحر المتوسط، وأثرها على المستقبل الجيوسياسي لدول هذه المنطقة، وعلى احتمالات تأجيج النزاعات الحدودية فيها.

الصراع بين إسرائيل ولبنان

تثير الاكتشافات النفطية، احتمال تأجيج الصراع بين لبان وإسرائيل؛ لمال الدولتين من مصالح في المنطقة، ولعدم ترسيم الحدود البحرية.

إسرائيل

في ضوء اكتشاف موارد نفطية خارجية لإسرائيل خلال العقد الأخير، وفي ظل اعتماد تل أبيب في الماضي على الواردات النفطية المكلفة وغير المستقرة والملوثة للبيئة كالفحم والغاز الطبيعي، فقد وضعت الحكومة الإسرائيلية هدف توفير موارد محلية نفطية آمنة كأولوية أولى لها، وأن تصبح مُصدراً للنفط للدول المجاورة ”مصر والأردن“.

وأشارت الدراسة إلى التحديات التي تواجه إسرائيل فيما يتعلق بعدم اكتمال ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة مع لبنان وفلسطين، وذلك في ظل التهديد الذي يمثله ”حزب الله“ على البنية الأساسية للطاقة على مساحة 330 ميل مربع في المناطق الغنية بالمصادر الهيدروكربونية، وكذلك رفض ”حركة حماس“ مهمة التنقيب عن النفط بساحل قطاع غزة، مشيرين إلى الاستراتيجية الإسرائيلية لتطوير قواتها البحرية وزيادة إنفاقها البحري، ومنها شراء 3 سفن بحرية دورية وتجهيز معدات 5 زوارق صواريخ“، بهدف حماية السواحل وتعزيز مناطقها الاقتصادية الخالصة واستكمال بنيتها التحتية البحرية ومنع تسلل الأسلحة لحزب الله وفرض الحصار على قطاع غزة.

لبنان

أعلنت الحكومة اللبنانية عن اكتشاف كميات كبيرة من الغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية الخاصة بها، والتي يمكن أن تعزز من الكميات المعروضة من الطاقة، بيد أن عدم الاستقرار السياسي بالبلاد، والصراع في سوريا، قد ألقى بتبعاته على قدرة الدولة لجذب الاستثمارات اللازمة للتنقيب والاستكشاف.

وأوضحت الدراسة أن النزاع الإسرائيلي اللبناني حول المناطق الاقتصادية الخالصة، يُصَّعب من مهام الحكومة اللبنانية ويزيد من خطر توسيع قدرات البحرية اللبنانية، مشيرين إلى عدم وجود أُفق لحوار دبلوماسي ثنائي بينهما حول نزاعهما البحري؛ بسبب غياب اتفاقية سلام بين الدولتين، كما أن وقوع حادث حدودي عابر بينهما يمكن أن يهدد بتوسيع الصراع بينهما مثلما حدث في حرب لبنان 2006.

وجاء في الدراسة ”أن وجود ثروات هيدروكربونية بالقرب من منطقة النزاع البحري، قد دفع الحكومتان في بيروت وتل أبيب إلى إمكانية استخدام قواتهما المسلحة لحماية هذه الموارد، ويمكن أن تبدأ هذه الهجمات في الطرف اللبناني من قِبل قوات حزب الله“.

الخلافات بين قبرص وتركيا

أكدت الدراسة أنه بالرغم من اكتشاف كميات من الغاز الطبيعي في المناطق الاقتصادية الخالصة للجمهورية القبرصية والتي تقدر بنحو 3- 5 تريليون قدم مكعب، وإمكانية اكتشاف الغاز في غضون عقد من الزمن، والذي سيدعم مستقبل قبرص وتعافيها الاقتصادي، بيد أن تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، يحدان من سلطة الحكومة القبرصية لاتخاذ قرارات اكتشاف وتنمية المصادر النفطية الموجودة بالمناطق الاقتصادية الخالصة، حيث تصر تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية على استفادة القبارصة الأتراك من هذه المصادر،  وهو ما يُنذر بوقوع مواجهات بحرية،  بين الجانبين.

أخطار على المنطقة

وأكدت الدراسة أنه على الرغم من أن تطوير وحماية دول شرق المتوسط لمصالحها النفطية قد زاد من آمال شعوب هذه البلدان، فإنه قد يؤدي إلى تفاعلات بحرية غير آمنة، حيث من الممكن أن يحدث هجوم إرهابي على مؤسسات الطاقة البحرية.

كما أن التوترات الجيوسياسية وتاريخ الصراع المسلح بهذه المنطقة وتزايد القوات البحرية يُسهل من إمكانية حدوث مواجهة بحرية، وهو ما يجعل إدارة الصراع يمثل أولوية لكل من دول شرق المتوسط والمجتمع الدولي كافة.

مصالح القوى الكبرى

ترى الدراسة أن اكتشافات الطاقة، في شرق البحر المتوسط، تأثر على مصالح كل من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يهدد بتأجيج الصراع في المنطقة.

روسيا

أكدت الدراسة على قوة العلاقات الروسية مع كل من إسرائيل وقبرص، حيث تعد موسكو الداعم الأكبر لإسرائيل من النفط الخام، كما تُقدر أصول الشركات والأفراد الروسيين في قبرص بنحو 31 مليار دولار عام 2013.

ويُضاف إلى ذلك القرض الروسي لقبرص، والذي أُعيد هيكلته مؤخراً والمقدر بحوالي 3,3 مليار دولار، وتوقيع شركة غازبروم الروسية في فبراير 2013 على اتفاق لمدة 20 عاماً لشراء الغاز الطبيعي المُسال من حقلي ”تمار وداليت“ الإسرائيليين، وإبرام شركة ”سيوز نفط غاز“ الروسية اتفاق تنمية مشترك مع نظام بشار الأسد لاكتشاف مصادر وتأسيس مشروعات تنمية نفطية في المناطق الاقتصادية السورية الخالصة لمدة 25 عاماً بقيمة تبلغ نحو 90 مليون دولار.

وقدد  أسست روسيا لوجود بحري دائم لها في شرق المتوسط، إذ يوجد لها 16 سفينة و3 مروحيات بحرية وحاملة طائرات، مما يعني استعدادها لمواجهة أخطار محتمل على مصالحها في هذه المنطقة.

الولايات المتحدة

أكدت الدراسة على دور شركات البترول الأمريكية لاسيما ”نوبل للطاقة“  في اكتشاف وإنتاج المصادر الهيدروكربونية في شرق المتوسط، وأشارا إلى المصلحة الأمريكية لتحقيق أمن الطاقة في هذه المنطقة، وكذلك أمن البلدان التي تحظى بعلاقة وثيقة معها (إسرائيل والأردن ومصر)، خاصةً في ظل انتقال الصراع إلى سوريا، وتدفق اللاجئين وأنشطة الجماعات الإرهابية.

ولعبت الولايات المتحدة دوراً هاما، في إحياء المفاوضات بين قادة اليونان القبرصيين والجماعات التركية القبرصية؛ بهدف إيجاد تسوية شاملة لمشكلة انقسام الجزيرة القبرصية، حيث يأمل المسؤولون الأمريكيون بأن توفر الطاقة حافزاً قوياً لإجراء تقدم في هذه المحادثات بين الجانبين، وأن تسهم في تحقيق المصالحة بين إسرائيل وتركيا. هذا بالاضافة إلى الانتباه الأمريكي لخطورة التواجد الروسي في شرق المتوسط، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تعزز من وجودها هناك.

الاتحاد الأوروبي

يرتبط الاتحاد الأوروبي بمنطقة شرق المتوسط لعدة أسباب، منها اشتراك كل من اليونان وقبرص في عضويته، وكون تركيا عضو مرشح للانضمام إليه.

وأوضحت الدراسة أنه على الرغم من أن تنمية مصادر الغاز في شرق المتوسط، يمكن أن يتيح فرصاً للتوسع الاقتصادي لقبرص واليونان، بيد أن عدم التيقن من الاستثمار في البنية الأساسية الضرورية (خطوط الأنابيب أو الغاز الطبيعي المُسال)، وتزايد إنتاج الغاز في أماكن أخرى، والتقلبات في أسواق الطاقة العالمية، يقلل من احتمالية أن يوفر شرق المتوسط الغاز لأوروبا في المستقبل القريب.

كما أن التهديدات الأمنية تؤثر على الاتحاد الأوروبي أيضاً، حيث تسببت الغارات التركية على المناطق الاقتصادية الخالصة القبرصية في إعاقة المحادثات التركية للانضمام للاتحاد الأوروبي. ومن ثم فإن المصلحة المباشرة للاتحاد الأوروبي تكمن في تحقيق الاستقرار السياسي في منطقة شرق المتوسط التي تجاورها مباشرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com