الطبقة الوسطى الجديدة بتركيا تهدد بقاء أردوغان – إرم نيوز‬‎

الطبقة الوسطى الجديدة بتركيا تهدد بقاء أردوغان

الطبقة الوسطى الجديدة بتركيا تهدد بقاء أردوغان

المصدر: فتحي خلاف- إرم نيوز

قال المحلل ميديني سونغور في صحيفة ”وول ستريت جورنال“، إن الطبقة الوسطى الجديدة في تركيا، والتي تم إثراؤها بشكل رئيسي في ظل حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أصبحت الآن تقوض رؤيته الإسلامية التي تطالب بإصلاحات من شأنها أن تتماشى مع الطبقة الوسطى العالمية.

فبعد أكثر من 15 عامًا من حكم رجب طيب أردوغان، أولًا كرئيس للوزراء والآن كرئيس، أصبح قطاع كبير من الشعب التركي يشعر بالإحباط بشكل متزايد، سواء من الإسلام السياسي أو المحسوبية التي هيمنت على الحياة العامة.

وفي لمحة من المفارقة التاريخية، حقق أردوغان ما فشل قادة تركيا السابقون في فعله – حشد الدعم الجماهيري لمبادئ الجمهورية التركية المؤسسة للعلمانية والحكومة القوية والحديثة.

لكن، لفهم أهمية هذا التطور الحديث، نحتاج أولًا إلى فهم نمط الحداثة التي حركتها النخبة والتي كانت هي المعيار عبر التاريخ التركي.

في تسعينيات القرن السابع عشر وتحديداً في عام 1790، كانت النخبة، وليس الشعب، في طليعة الإصلاح الذي مهد لقيام تركيا الحديثة، حيث كانت الدولة العثمانية حريصة -في ذلك الوقت- على إرسال رجال الدولة إلى عواصم أوروبا الحضرية: لندن وباريس وبرلين وفيينا وسان بطرسبرغ لتعلم أساسيات فن الحكم الغربي.

استطاعت الطبقة الحاكمة حينذاك، تأسيس تعليم جديد بعيدًا عن الشكل التقليدي، كان هذا التعليم من الأولويات المطلقة بسبب عملية بناء الجيش، بالإضافة إلى بناء المؤسسات التي انهارت خلال فترة الحروب الكبيرة للدولة.

لذلك، سارعت الدولة إلى إلحاق مبعوثين إلى جامعات النخبة في فرنسا وبريطانيا، لتزويدهم بمعرفة تقنية واجتماعية وعلمية حديثة، كان هدف الإصلاحيين خلق دولة متقدمة، مفترضين أن المجتمع سينصلح، عبر تلك المعارف التي سينقلها هؤلاء الطلاب.

تلك الإصلاحات التي بدأتها الدولة العثمانية، هي من وضعت الأسلوب أو مخطط التنمية الذي سارت عليه بعد ذلك الجمهورية التركية: وهو التحديث من أعلى إلى أسفل، والذي لاقى استجابة ودعم من ضباط بالجيش أصغر سنا ومدربين تدريبا مهنيا.

كان مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938)، مؤسس الجمهورية التركية، من بين الضباط الشباب الطموحين في الجيش العثماني الذين كانوا يحلمون ببناء دولة حديثة، لكنه تميز بأسلوب مختلف قليلًا عن أسلوب أسلافه العثمانيين، وبقيَ مثلهم، يستخدم إستراتيجية البناء من أعلى إلى أسفل.

لكن مع تطبيق تلك السياسات عقب انهيار ”الرجل المريض“، قام أتاتورك باستبعاد شرائح محافظة كبيرة مما أدى إلى وقوع انفصال متزايد بين الناس والإصلاحيين، كما عمقت النخب العسكرية والسياسية التي حكمت بعد أتاتورك ذلك الوضع، والتي نظرت إلى الأتراك المحافظين كمصدر تهديد لمبادئ الدولة.

وكتب المدير التنفيذي لجمعية ”أبحاث الحرية“، أنه على مدار سنوات القرن العشرين الطويلة، لعبت الدولة في تركيا، دورًا رائدًا في تطبيق سياسات الاقتصاد التي استفادت منها بعض الأسر العلمانية نسبيًا، في حين أن النخب العلمانية طردت الأتراك المحافظين خارج المؤسسات الأكثر أهمية في الجمهورية الجديدة – بما في ذلك النظام القضائي والسلك العسكري والدبلوماسي.

تغير كل هذا عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002 بقيادة (أردوغان) الذي قام بتسويق نفسه كممثل للمحافظين المهمشين، ووعد بإعادة السلطة إلى الشعب، ونفذ سياسات اقتصادية ناجحة لعقد من الزمن، حفز فيها النمو مما أفاد شرائح محافظة من المجتمع كانت مستبعدة، فيما أكسبه ذلك مكانة بارزة في أواخر التسعينيات.

يقدر الاقتصادي داني رودريك أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفع بنسبة 43٪ خلال الأعوام من 2002 إلى 2012.

لكن، يبدو أن النجاح الاقتصادي الذي حققه أردوغان، حمل في طياته تناقضًا أدى إلى تقويض برنامجه الإسلامي في الحكم: فبعد حالة الطفولة التي كانت عليها الطبقة الوسطى التركية، وجدت تلك الطبقة نفسها، قد تجاوزت طور المراهقة وأصبحت أقرب على نحو متزايد إلى الطبقة الوسطى العالمية، ليس فقط في وضعها الاقتصادي، ولكن أيضًا في مطالبها بالحرية والديمقراطية والرفاهية.

ويقول المحلل نقلًا عن دراسة متعمقة حديثة أجرتها شبكة تضم تحالفًا لـ 260 منظمة مجتمع مدني، ”رغم ذلك، تضمن نجاح أردوغان تناقضًا أدى إلى تقويض برنامجه الإسلامي.

وفقًا للدراسة التي أجريت مع 515 شخصًا في 12 مقاطعة تركية، فإن الأتراك الآن يطالبون إلى حد كبير بمدن أكثر خضرة، وتعليم علمي، وحكم رشيد، وسيادة القانون، والأهم من ذلك، بلد يستطيع الجميع فيها التحدث دون خوف.

ويؤكد الباحث الذي يُعوّل كثيرًا على الطبقة الوسطى، أن رؤية الطبقة الوسطى التركية تشبه رؤية الطبقة الوسطى في كل مكان، مما يوحي بأن مسار تركيا في ظل أردوغان أمر خطأ لابدَّ وأن ينتهي قريبًا، حيث عادت النخب الحاكمة لتصدر المشهد بعيدًا عن القاعدة الجماهيرية.

ونتيجة لذلك، يواجه أردوغان الآن معضلة، حسب قول سونغور ”إن العملية التي وضعتها سياساته الاقتصادية المبكرة قد أوجدت مجتمعًا لم يعد متوافقًا مع أسلوبه الاستبدادي في الحكم“.

لذلك، بدأ جيل جديد من القادة في تركيا بالظهور، ومن الأمثلة على ذلك رئيس بلدية إسطنبول الجديد، أكرم إمام أوغلو، ونواب أردوغان السابقان اللذان يتنافسان معه الآن، على باباجان وأحمد داود أوغلو.

يطمح هؤلاء السياسيون الجدد الذين نالوا مكانة مستحقة، إلى رؤية تركيا جديدة تمد يد السلام إلى شعبها وجيرانها، كدولة حديثة يقودها مجتمع مدني فعّال.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com