دانكوس: أوكرانيا هي الحدود الأوروبية لروسيا

دانكوس: أوكرانيا هي الحدود الأوروبية لروسيا

المصدر: إرم - من مدني قصري

قالت الباحثة والمتخصصة في الشؤون الروسية هيلين كارير دانكوس، إن أوروبا التي ظلت لأكثر من نصف قرن قارة السلام، تشهد في فصل شتاء عام 2015 ظهرور تهديدات نزاع مسلح على أراضيها.

”لقد بدأ الحديث عن الحرب الباردة، ثم جاءت كلمة الحرب التي بدأت تنتشر شيئا فشيئا، كأننا لا نعيش في زمن النووي الذي يتطلب التعقل وضبط النفس. إنها ازمة أوكرانيا التي أضحت مثل الكابوس اليوغوسلافي في نهاية القرن الماضي. الوساطة التي بدأها فرانسوا أولاند وأنجيلا ميركل ليست كما يقال كثيرا فرصة وحيدة وأخيرة. ففي العلاقات الدولية يظل التفاوض متواصلا، فهذه الوساطة إذن بداية لعملية ينبغي أن تنهي هذا الصراع الخطير. فرنسا وألمانيا تمثلان أكثر الدول المؤهلة للوساطة في هذا الصراع. فالمصالحة الفرنسية الألمانية بعد ثلاث حروب، وما صاحبها كراهية متأصلة، تشكل النموذج الذي ينبغي تأمله. فهذه المصالحة هي التي ساعدت في بناء أوروبا، وضمان سلام دائم. وبالإضافة إلى ذلك، ليس لفرنسا وألمانيا مصلحة خاصة، ولا تصفية حسابات، على خلاف بلدان أخرى، لا سيما بلدان في أوروبا الشرقية.

لذلك فإن ”نموذج نورماندي“ الذي يجمع بين المتخاصمَين، الثنائي الفرنسي الألماني، هو المنوذج الذي يملك أفضل فرص النجاح في فك الصراع، تدريجيا – وليس بفعل عصا سحرية – مع الصبر والمثابرة.

وتتساءل الباحثة “ عن ماذا نتحدى؟ أكثر الكلمات تتكررا الآن هي: ما الذي يريده بوتين؟ ما الذي يدور في رأسه؟ وما أكثر الذين يتهمونه بمشروع إمبراطوري، على أساس أيديولوجية مصنوعة من قراءات متباينة. ومنها قراءة دوغين، الكتاب الروسي الذي عاش في مطلع القرن العشرين، ودوستويفسكي … وهي القراءات التي ينطلق منها بوتين، في رأي هؤلاء، في إعادة بناء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في شكل اتحاد أوراسي، أو أنه بالأحرى يريد السيطرة على أوروبا. ومع ذلك، سيكون من الحكمة العودة إلى وجهة نظر متوازنة، أقل ازدراء حول ”ما يوجد في رأس بوتين“. لقد أظهر بوتين دوما ارتباطا عاطفيا ببلده، وإرادة في استعادة الهيبة المفقودة في التسعينات من القرن العشرين. ولهذا كان دوما يضع خصوصية روسيا في مقدمة الأشياء، ولكن جنبا إلى جنب مع هُويتها الأوروبية، وتراثها التاريخي والثقافي، ومساهمة الكنيسة. وكل هذا ليس جديدا، فهو ما انفك يردده منذ خمسة عشر عاما.

عداء

وتقول الباحثىة إن التأثير، إن وُجد، فهو تأثير سولجينتسين. إذ يرى هذا الأخير أن وضع روسيا تمر من خلال الاعتراف بمكانها في أوروبا، وعبر علاقات سلمية، وربما مميزة مع أعضاء الإمبراطورية السابقين. فمن هنا تحديدا تحتل أوكرانيا مكانها الكامل. فهي بالنسبة لروسيا، ليست بلدا مماثلا للبلدان الأخرى. فالألفة بين البلدين تستند للقرابة شبه الكاملة بين الرجال – فكل الأسر الروسية تضم أفرادا أوكرانيين، وكل الأسر الأوكرانية تضم أعضاء روسيين. والأوكرانيون كثيرون في روسيا، والروس كُثر في أوكرانيا، وجزء من أوكرانيا ناطق بالروسية – التي تستند إلى صلات نشأت منذ تاريخ طويل، وثقافات متشابهة جدا. قبل كل شيء أوكرانيا هي الحدود الأوروبية لروسيا. فإذا أدارت أوكرانيا ظهرها لروسيا، وإذا صارت جزءا من علاقة حصرية مع أوروبا، وإذا دخلت حلف شمال الأطلسي، وهو نظام التحالف المعادي لروسيا على نحو متزايد، فهذا يعني في النهاية أن روسيا مرفوضة من قبل أوروبا، وبمثابة الخصم في حسابات البلدان الأوروبية.

لقد ورثت بوتين من أسلافه، غورباتشوف ويلتسين – وليس من أيديولوجية غامضة – رؤتين لهذه المشكلة. أولا، لا ينبغي أن يتم تقدم حلف شمال الأطلسي في اتجاه الشرق، وكان هذا ما تم الاتفاق عليه بين غورباتشوف والمستشار كول ثمنا لموافقة الاتحاد السوفياتي على توحيد ألمانيا. وفي عام 1990 أكد جيمس بيكر لغوباتشوف، متحدثا باسم رئيس الولايات المتحدة، أن بلاده تفهم قلقه، وتعرف أن الناتو لا ينبغي أن يصل إلى حدود الاتحاد السوفياتي. وقد رأى يلتسين الناتو وهو يمج ”التوابع السابقة للاتحاد السوفياتي“، وحتى دول البلطيق، حتى وصل إلى الحدود الروسية، من دون أي رد فعل. لكن ما إن تعلق الأمر بأوكرانيا حتى اختلفت الأمور. لقد كانت أوكرانيا أيضا واحدة من ركائز مشروع حول أوراسيا، وهو المشروع الذي يجب التذكير بأنه من اختراعه. في عام 1990 بدأ يلتسين في بناء مجموعة رباعية – روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وقازاقستان – لمعارضة مشروع تجديد الاتحاد السوفياتي الذي تصوره غورباتشوف لإنقاذ الاتحاد السوفيتي الذي أصبح في حالة تفكك كامل. وقد حرصت أوكرانيا على أن تظل بعيدة عن المشاريع التي وضعتها روسيا – رابطة الدول المستقلة، الفضاء الأوراسي – ولكن يلتسين، مثل بوتين، أدرك أنه أن يحقق ذلك بالقوة. ولكن بوتين ظل يفضل بقاء حيادة ذلك الفضاء الأوراسي تجاه روسيا على دخوله في سياسة معادية لها. وهو يملك لتحقيق ذلك الكثير من الحلفاء الأوكرانيون الناطقين بالروسية، الحريصين على الحفاظ على خصوصيته. وقد أعطت شبه جزيرة القرم الدليل على ذلك. والانفصاليون الأوكرانيون يحذون اليوم حذو شبه جزيرة الرقم أيضا.

أولوية

توضّح الباحثة أنه يجب تصنيف مراتب أهداف بوتين. فأولوية بوتين أوكرانيا محايدة، فالثورات الوطنية في أوكرانيا تمثل بالنسبة إليه في نهاية المطاف، وسيلة للحصول على هذا الحياد. ومع ذلك، يعتمد بوتين أيضا على الحركة الانفصالية التي تهز أوكرانيا. فهو لا يمكن أن يتخلي عنها تماما، ولا يسعه المضي بها إلى النهاية. لأن هذا لا يخدم روسيا. فقد قال أنه يعترف بالسيادة الإقليمية لأوكرانيا، مفضلا إعطاء الأولوية لاستقرار الحدود على حق الشعوب في تقرير المصير الذي يطالب به الانفصاليون. فحول هذه النقطة بالذات تتمحور كل الأمور في هذا الوقت، ولذا فالسؤال المطروح في كييف هو: ما هو الوضع المناسب لشرق أوكرانيا؟ المصالحة ممكنة إذا وافقت أوكرانيا على منح حكم ذاتي حقيقي، ودستوري لهذا الجزء المختلف جدا في غرب أوكرانيا. أي أنه ينبغي في هذه المفاوضات الإجابة على السؤال التالي: ما الذي يريده بوتين؟ وما الذي تقبل به كييف؟ فالحل لن يأتي إلا إذا قطع كل من المتخاصمين شوطا طويلا على طريق المفاوضات.

وترى المؤرخة في الأخير أن أوكرانيا إن أقرت بالحكم الذاتي فسوف ينقذ هذا الموقف سلامتها. لكن تبقى مسألة حلف شمال الأطلسي مطروحة، لكنها مسألة تنتمي إلى مرحلة أخرى، على المدى الطويل. الحاجة الملحة هي إخماد الحريق أوّلا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com