كيف يختلف استخدام ترامب للعقوبات عن سلفه أوباما؟

كيف يختلف استخدام ترامب للعقوبات عن سلفه أوباما؟

المصدر: أبانوب سامي- إرم نيوز

بعد مرور أكثر من عامين ونصف العام على تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، أصبح من الواضح أن العقوبات الاقتصادية هي سلاحه المفضل في السياسة الخارجية، فمن الصين وإيران إلى فنزويلا، تعد العقوبات وغيرها من الأدوات الاقتصادية القسرية عنصرًا أساسيًا في حملات الضغط الأقصى الأمريكية ضد الخصوم، ولكن ترامب لا يطبق العقوبات بقوة أكبر من سلفه فقط، بل يستخدمها أيضًا بطرق جديدة.

ويكشف الفحص الدقيق لاستخدام الإدارة الأمريكية للعقوبات عن 3 اتجاهات أساسية، ويثير تساؤلات مهمة حول مستقبل استخدام الولايات المتحدة لأدوات الضغط الاقتصادي.

ووفقًا لمجلة ”فورين بوليسي“، فإن الاتجاه الأول هو اعتماد إدارة ترامب مستوى غير مسبوق من العدوانية، إذ تُظهر البيانات التي جمعتها شركة المحاماة ”جيبسون ودون وكروتشر“ أنه في عام 2018، أضافت الولايات المتحدة ما يقرب من 1500 من الشخصيات والشركات والكيانات إلى قائمة العقوبات التي تديرها وزارة الخزانة، وهي زيادة بنسبة 50% عن العام الماضي، الذي شهد ثاني أعلى معدل عقوبات في تاريخ الولايات المتحدة.

وكانت إدارة أوباما تركز على برنامج أو برنامجين رئيسيين للعقوبات في وقت واحد، وبقيت إيران هي الأولوية الواضحة بين عامي 2010 و2015، بينما أصبحت روسيا الأولوية من العام 2014 إلى العام 2016.

وعلى النقيض، تتابع إدارة ترامب بقوة برامج العقوبات ضد 3 دول كأولويات سياسية من الدرجة الأولى، وهي إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية، بينما تركز أيضًا على برنامج عقوبات ”ماغنيتسكي العالمي“، الذي يستهدف منتهكي حقوق الإنسان، في كوبا وسوريا وروسيا.

أهداف مهمة اقتصاديًا

ومن المهم أيضًا أن إدارة ترامب، أوضحت أنها لن تمتنع عن معاقبة أهداف مهمة اقتصاديًا ومتجذرة بعمق في الأسواق العالمية، ومن الأمثلة البارزة على ذلك، معاقبتها للروسي أوليغ ديريباسكا وشركته ”روسال“، والتي تنتج حوالي 6% من إمدادات الألمنيوم العالمية، وشركة النفط الوطنية الفنزويلية ”PDVSA“، التي صدّرت ما يقرب من 1.2 مليون برميل من النفط يوميًا في عام 2018، قبل فرض العقوبات عليها يناير/ كانون الثاني الماضي.

كما وسع ترامب أيضًا نطاق استخدام ما يسمى بالعقوبات الثانوية، والتي تهدف إلى إجبار الشركات الأجنبية على وقف أعمالها مع الخصوم الأمريكيين، وهذه ليست فكرة جديدة، فقد سبق وبذلت جامعة الدول العربية منذ سبعينيات القرن الماضي الجهود لإرغام الشركات الدولية على مقاطعة إسرائيل، فيما كان أول استخدام حديث للعقوبات الثانوية.

وقبل تولي ترامب منصبه، استخدمت الولايات المتحدة العقوبات الثانوية بشكل محدود، مثل عقوبات ردع استثمارات الطاقة في إيران، فكانت إدارة أوباما تولي الأولوية للدبلوماسية لإقناع الحكومات الأجنبية بالانضمام إلى العقوبات الأمريكية، ولا تفرض عقوبات ثانوية، إلا كحل أخير عندما تفشل الدبلوماسية.

وفي المقابل، استخدم ترامب العقوبات الثانوية كأداة ذات أولوية قصوى، خاصة ضد إيران، كوسيلة لفرض ضغوط اقتصادية على الرغم من المعارضة العالمية للكثير من سياسته تجاه إيران.

كما هدد بفرض عقوبات ثانوية، على الشركات التي تتعامل مع فنزويلا وكوبا، من بين أهداف أخرى، وعلى عكس الرؤساء السابقين، الذين وضعوا بشكل عام أطرًا تنظيمية واضحة للعقوبات الثانوية قبل فرضها، يشوش ترامب الخط الفاصل بين العقوبات العادية والعقوبات الثانوية.

وعلى سبيل المثال، لم تنشئ الولايات المتحدة فعليًا إطارًا قانونيًا منفصلًا لفرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية التي لا تزال تتعامل مع فنزويلا، إلا أن مستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون استمر في تهديد هذه الشركات علنًا باستخدام السلطات القانونية الأمريكية ضدها.

تبريرات منطقية

ويتمثل الاتجاه الثاني في تركيز ترامب المتزايد على الإشارات السياسية والدبلوماسية المحيطة بالعقوبات الأمريكية، فلطالما تبنت الولايات المتحدة تبريرات منطقية لاعتمادها عقوبات جديدة عندما تفرضها على الدول الأجنبية.

 وعندما فرضت إدارة أوباما عقوبات على روسيا في العام 2014، أبلغت موسكو علنًا وسرًا بأنه يمكن رفع العقوبات إذا التزمت بما يسمى باتفاق مينسك للسلام بين أوكرانيا وروسيا.

 كما كان بإمكان الشركات والأفراد الخاضعين للعقوبات تقديم التماس بهدوء إلى المنظمين الأمريكيين لإخراج أنفسهم من قوائم العقوبات، إذا أوقفوا أنشطتهم الخبيثة، مما يعني أن الشركات يمكنها استعادة أصولها المجمدة واستئناف عملها مع الولايات المتحدة.

إلا أن ترامب زاد من التركيز على الإشارات والتهديدات، فيما يتعلق بكل من العقوبات الواسعة التي تستهدف البلدان وتلك التي تستهدف الشركات والأفراد.

12 طلبًا على إيران تنفيذها

وحدد وزير خارجية ترامب، مايك بومبيو، 12 طلبًا على إيران تنفيذها، مقابل رفع العقوبات الأمريكية، كما بدأت إدارة ترامب أيضًا في تحديد مطالب عامة للأفراد والشركات الذين فرضت عليهم العقوبات.

 وعندما عاقب ترامب رئيس المخابرات الفنزويلي، مانويل ريكاردو كريستوفر فيغيرا، في فبراير / شباط، أصدرت وزارة الخزانة بيانًا صحفيًا يقول: ”أوضحت الولايات المتحدة أننا سننظر في رفع العقوبات عن الأشخاص الذين يتخذون إجراءات ملموسة لإصلاح السلوك، بما في ذلك، استعادة النظام الديمقراطي، ورفض المشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان، وكشف الإساءات التي ترتكبها الحكومة الفنزويلية، ومكافحة الفساد في فنزويلا“.

ثم أزالت الإدارة ”فيغيرا“ من قوائم العقوبات في أوائل شهر مايو/أيار، بعد أسبوع من انشقاقه عن حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وفي يوليو/ تموز، أبرزت وزارة الخزانة إزالتها السريعة للعقوبات المفروضة على شركة ”PB Tankers“، وهي شركة ناقلات إيطالية تمت معاقبتها في أبريل/ نيسان، بعد أن وافقت على وقف نقل النفط الخام الفنزويلي إلى كوبا.

وفي بداية هذا العام، أزالت وزارة الخزانة شركة ”روسال“ والعديد من الشركات الروسية الأخرى التابعة لـ“ديريباسكا“ من قوائم العقوبات الأمريكية، بعد أن خفضت حصصها في الشركات المعنية إلى أقل من 50%.

تدابير اقتصادية قسرية

أما الاتجاه الثالث فهو الاستخدام المتزايد للتدابير الاقتصادية القسرية بخلاف العقوبات، ففي جهود ترامب ضد الشركات الصينية بما في ذلك ”هواوي“ و“ZTE“ والعديد من شركات الحوسبة الفائقة، اعتمدت إدارة ترامب على ضوابط التصدير المستهدفة كسلاح اقتصادي بدلًا من عقوبات وزارة الخزانة.

وهذا يسمح للولايات المتحدة بفرض رسوم إضافية على السلع المستهدفة مع تقليل التكلفة على الأسواق العالمية، والتي كانت ستنشأ إذا وُضعت شركة مثل ”هواوي“ على قوائم العقوبات الأمريكية.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الأمر الأكثر أهمية فيما يتعلق بعقوبات ترامب، هو ما إذا كانت ستنجح في تعزيز مصالح الأمن القومي الأمريكي.

وكان لاستخدام ترامب للعقوبات تأثير اقتصادي واضح، إذ انخفضت صادرات النفط الإيرانية بأكثر من 95%، بعد أن كانت قد وصلت إلى أكثر من مليوني برميل في فترة الاتفاق النووي الإيراني، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6% أخرى في عام 2019.

كما انخفضت صادرات النفط الفنزويلية بعدما شددت الولايات المتحدة العقوبات هذا العام، الأمر الذي كان مدفوعًا بتخفيض عمليات الشراء من الصين.

وأدى الحظر الأمريكي على مبيعات الرقائق الإلكترونية من شركة ”هواوي“ إلى انخفاض مبيعات الشركة الدولية، رغم نمو مبيعاتها داخل الصين. كما أدت العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على كوريا الشمالية إلى انخفاض اقتصاد الدولة بنسبة 4% في العام 2018، وخفضت صادراتها بنسبة 90%.

مستويات غير مسبوقة من الضغط

وتؤكد هذه الإحصائيات أن حجم الاقتصاد الأمريكي وهيمنته على النظام المالي العالمي، تعني أنه يمكن للولايات المتحدة أن تضع مستويات غير مسبوقة من الضغط الاقتصادي على الخصوم، حتى لو لم تحصل الولايات المتحدة سوى على دعم دبلوماسي دولي محدود لعقوباتها، ولكن النجاح الدبلوماسي طويل الأجل للعقوبات الأمريكية لايزال غير واضح.

ويعتبر تركيز ترامب المتزايد على الإشارات الدبلوماسية والسياسية حول العقوبات تطور مرحب به، فحتى تنجح العقوبات في تشجيع الأهداف على تغيير سلوكها، يجب أن تفهم الأهداف السلوك الذي يجب عليها تغييره، فهي تحتاج لمسار واضح يخلصهم من العقوبات إذا وافقوا على التنازلات، وبالفعل ساعد ذلك في تحقيق بعض النجاحات على المدى القريب فيما يتعلق بالأفراد والشركات المستهدفة بالعقوبات الأمريكية.

وعزز استعداد الإدارة لرفع العقوبات عن ”فيغيرا“ بسرعة بعد انشقاقه عن نظام مادورو، وشركة “ PB Tankers“ الإيطالية بعد توقفها عن نقل النفط الفنزويلي إلى كوبا، فكرة أن الأفراد والشركات يمكنهم التخلص من العقوبات الأمريكية إذا وافقوا على التنازلات، مما يحفز الأهداف الأخرى للعقوبات لتقديم تنازلات لإزالتهم من قوائم العقوبات الأمريكية.

ومن شأن اعتماد ترامب على التدابير الاقتصادية القسرية، بدلًا من العقوبات التقليدية فقط، أن يزيد من مجموعة الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة لاستهداف الشركات الكبرى والقطاعات التي قد تؤدي معاقبتها بالطريقة التقليدية إلى خسائر غير مقبولة في السوق العالمية.

إلا أن استخدام ترامب العدواني للعقوبات، أدى إلى تصادمات سياسية متنامية تهدد فعالية العقوبات على المدى الطويل، إذ يزيد الاتحاد الأوروبي والصين ودول رئيسية أخرى من جهودهم لتطوير قنوات مالية وتجارية معزولة عن الضغط الاقتصادي الأمريكي، ولكن هذه القنوات لاتزال في مهدها، مثل آلية ”INSTEX“ التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تم الترويج لها على نطاق واسع للتجارة مع إيران، تظل ضئيلة من حيث نطاقها الاقتصادي ولا تشكل تهديدًا على المدى القريب للهيمنة المالية الأمريكية.

ومع ذلك، من الممكن أن تتوسع هذه الجهود على المدى الطويل، فإذا قامت البلدان باستثمارات واسعة النطاق فيها، لن تظل هيمنة الولايات المتحدة على الأسواق المالية منيعة، وخاصة مع التضاؤل المستمر لحصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وتحتاج إدارة ترامب إلى موازنة الفوائد قصيرة المدى لاستخدامها العدواني للعقوبات ضد المخاطر المحتملة على المدى الطويل ورد الفعل العالمي.

مبالغة في الطلبات

وربما الأهم من ذلك – بحسب مجلة ”فورين بوليسي“- يجب على ترامب أن يدرك أنه عندما يتعلق الأمر بالتدابير التي تستهدف البلدان، يمكن أن تؤدي المبالغة في الطلبات أن تدفعهم للعناد ورفض تقديم التنازلات على الرغم من التكاليف الاقتصادية الصارمة، وعلى سبيل المثال، من المستبعد أن توافق إيران على مطالب بومبيو الـ 12، وفي الأشهر الأخيرة استجابت للضغوط الأمريكية بتصعيد الهجمات من جانبها لإحداث ضغط تفاوضي.

ومن جانبها رفضت بيونغ يانغ حتى الآن، مطالب واشنطن بنزع السلاح النووي بشكل كامل لا رجعة فيه، واستأنفت اختبار الصواريخ قبل إجراء مزيدٍ من المفاوضات الدبلوماسية المحتملة. كما يتمسك مادورو بالسلطة في كاراكاس حتى في مواجهة انخفاض متوقع في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25 % هذا العام، والذي نتج عن العقوبات الأمريكية.

وبطبيعة الحال، يستغرق نجاح الضغط الاقتصادي على الحكومة بعض الوقت، وقد تنجح إدارة ترامب في تحقيق أهدافها في إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وتجبرهم على تغيير سلوكهم، ولكن الدراسات المتعلقة بالعقوبات تشير إلى نجاحها في إحداث تغيير في النظام أو السياسة بنسبة 35 % فقط. إذ أظهرت الأنظمة المستهدفة بالعقوبات على مدى التاريخ، قدرة كبيرة على عناد الضغوط الاقتصادية ومقاومتها، حتى لو كان ذلك يعني ترك شعوبها تعاني.

وعلى الرغم من فعالية استراتيجية الضغط الأقصى لترامب في الإضرار باقتصاد الدول المعادية لأمريكا، إلا أن نهج ترامب في استخدام العقوبات لم يحقق الأهداف السياسية المطلوبة. وهذا يثير تساؤلات عن الأدوات الأخرى المتاحة، ومتى وما إذا كان ينبغي على ترامب النظر في تعديل مطالبه سعيًا وراء عقد الصفقات.