اتفاق وحدة وطنية.. على حساب أفغانستان؟

اتفاق وحدة وطنية.. على حساب أفغانستان؟

كابول – بعد ستة أشهر من الغموض، ومزاعم واسعة بالتزوير، أدت إلى أكبر عملية مراجعة لأصوات مقترعين في العالم ككل، انتهت أزمة الانتخابات الرئاسية في أفغانستان إلى نتيجة مفاجئة. فقد اتفق الرئيس الجديد، أشرف غني، ومنافسه في جولة الإعادة عبدالله عبدالله، على تقاسم السلطة وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

ورغم إشادة عدد من المراقبين بالاتفاق، معتبرين أنه يشكل معلماً بارزا في مسار تطور أفغانستان الديمقراطي، إلا أن ثمة خشية من أن يكون هذا الاتفاق ذاته سبباً في تقويض الديمقراطية الضعيفة في البلاد، كما يؤكد “جيد أوبر” في مقاله المنشور الشهر الماضي في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية.

وبحسب “أوبر”، الذي يشغل منصب مدير البرامج في مؤسسة “الديمقراطية الدولية”، وكان قد رأس فرق المؤسسة لمراقبة الانتخابات الأفغانية في الأعوام 2009 و2010 و2014، يعتبر مؤيدو اتفاق غني-عبدالله أنه بالنظر إلى التمايزات المجتمعية والإثنية التي تعرفها أفغانستان، فإن نظام “الفائز يحصل على كل شيء”، ليس مناسباً للبلد أبداً. كما أن الاتفاق أتاح انتقالاً سلمياً للسلطة كانت أفغانستان بحاجة ماسة له. لكن في المقابل، فإن الاتفاق قد يمثل انقلابا على الهيكل المؤسسي الذي تم إنشاؤه بموجب اتفاقية بون للعام 2001 –التي قادت عملية الانتقال السياسي لأفغانستان حتى اللحظة- وبما يقوض بالتالي الديمقراطية الضعيفة في هذه البلاد.

فقد ينجح غني وعبدالله في العمل سوية، لكن من الخطأ وصف اتفاقهما بأنه خطوة للأمام في مسيرة التطور الديمقراطي في أفغانستان. وفي الحقيقة، فرغم أن الاتفاق سمح للبلاد بأن تشهد أول انتقال سلمي للسلطة منذ سقوط (حكم) حركة طالبان، إلا أنه أدى أيضا إلى خلق تحديات جديدة عديدة. فما جعل الاتفاق ضرورياً، في المقام الأول، هو الاختلالات العميقة في الديمقراطية الأفغانية، ولضمان استمرار هذه الديمقراطية، فإنه يتوجب على الحكومة الجديدة التصدي لهذه الاختلالات.

اختلالات جديدة

يتمثل الخلل الأخطر في الاتفاق بين غني وعبدالله في تسوية النزاع الانتخابي ليس من خلال الإطار الديمقراطي الذي عملت البلاد جاهدة لبنائه، وإنما من خلال التنكر له. فعلى نحو مشابه للانتخابات السابقة –الرئاسية في العام 2009، والبرلمانية في العام 2010- فقد تم تحديد الاقتراع بالاستناد إلى عملية انتقاء متخصصة وليس وفقاً لقواعد وتعليمات عامة معروفة. وقد بقيت هذه الإجراءات هي الخيار الوحيد بعد مزاعم بتورط مسؤولين رئيسيين عن العملية الانتخابية، بمن فيهم المسؤول الأول، في التزوير، وبما أدى إلى إلغاء صدقية النتائج، ومزيد من الإضعاف للثقة العامة (وهي الضعيفة أصلاً) بالعملية الديمقراطية.

علاوة على ذلك، فرغم أن الانتخابات في البيئات الانتقالية يفترض أن تساعد في تعزيز الديمقراطية، إلا أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة تركت أفغانستان في حالة انتقالية أعمق مما سبق. فالحكومة الأفغانية الجديدة التي تم إنشاؤها بموجب اتفاق الوحدة الوطنية، هي أساسا حكومة مؤقتة إلى حين قيام الـ”لويا جيرغا” (وهي هيئة لقادة القبائل) التي وعد الاتفاق بدعوتها للاجتماع، بتبني تعديلات دستورية جديدة. وحتى منصب “المسؤول التنفيذي الرئيس” الذي سيشغله عبدالله عبدالله، هو منصب مؤقت. فبمجرد اجتماع “اللويا جيرغا”، ستدرس الهيئة استبدال المنصب بمنصب “رئيس الوزراء التنفيذي”. وليس هذا المنصب هو الوحيد الذي تركه اتفاق الوحدة الوطنية من دون تعريف محدد. فسلطات ومهام “رئيس فريق عبدالله عبدالله”، وهو المنصب الرفيع الثاني المستحدث، يعتريه الغموض أيضا.

وفي إشارة أخرى باعثة على القلق بشأن الديمقراطية في أفغانستان، فإن الاتفاق يمنح الرئيس سلطة تحديد مسؤوليات شاغلي هذه المناصب من خلال قرارات رئاسية. وقد يسعى غني إلى استخدام هذه الأداة لإضعاف وتهميش عبدالله، على سبيل المثال، في حال اعترى علاقتهما الشقاق. وبدلاً من حل المشكلات الدستورية، من قبيل مظاهر الخلل في النظام الانتخابي، فقد أقر الاتفاق الحاجة إلى تغييرات، ودعى إلى تشكيل هيئة خاصة للتوصية بالإصلاحات. وبدلاً من التقرير بشأن طبيعة الحكم في أفغانستان مستقبلاً، فإنه من الأفضل تحديد الحكم الموجود حالياً، وهي المهمة التي أصبحت شبه مستحيلة بسبب طبيعة النظام الانتقالية.

تحديات راسخة

تضاف التحديات السابقة إلى قائمة طويلة من المشكلات التي يواجهها النظام القائم في أفغانستان. ومع الانتخابات البرلمانية المقررة السنة المقبلة، فإن على البلاد إما مواجهة هذه المشكلات بشكل مباشر، أو المخاطرة بإجراء اقتراع معيب جديد، يتطلب آلية حل متخصصة ويزيد من تقويض الدولة الأفغانية.

وفي حال قررت أفغانستان المضي بالخيار الأول، فإن أول ما يتوجب القيام به هو إيجاد سجل للناخبين، والذي يعد أداة لا غنى عنها للتحضير اللائق ليوم الانتخابات ومكافحة التزوير. ورغم أن الهيئة الأفغانية المستقلة للانتخابات (الجهاز المسؤول عن إدارة الانتخابات والإشراف عليها) قد قامت بتسجيل ملايين الناخبين خلال العقد الماضي، إلا أنها لم تؤسس أبداً نظاماً مركزياً يمكن الاعتماد عليه لإدارة عمليات التسجيل هذه، وتحديد الناخبين ضمن الدوائر الانتخابية. وبالنتيجة، ليس بمقدور المسؤولين التحقق من هوية المقترعين أو منعهم من الحصول على بطاقات انتخابية متعددة.

ويقف هذا الخلل عقبة في وجه عقد اجتماع الـ”لويا جيرغا” المذكور في اتفاق الوحدة الوطنية، كون انتخابات مجالس المقاطعات (الولايات) ضروري لتكون هيئة الـ”لويا جيرغا” دستورية. ومثل هذه الانتخابات مستحيلة من دون تحديد انتماء المقترعين للمقاطعات (الولايات). وقد فشلت الـ”لويا جيرغا” الماضي في تحقيق هذا المطلب، ولم يكن بمقدورها بالتالي إجراء إصلاحات دستورية بشكل قانوني. إلا أن الـ”لويا جيرغا” المقبلة يجب أن تستمد سلطته بشكل مباشر من انتخابات منظمة وشفافة لمجالس المقاطعات (الولايات)، وإلا فإن التعديلات التي قد تتبناها ستكون محل تشكيك دائم. ويتطلب القيام بهذه المهمة وقتاً وموارد كبيرة من الحكومة والمجتمع الدولي، إلا أنها الطريق الوحيدة لضمان مصداقية الإصلاحات الدستورية المستقبلية.

علاوة على ما سبق، فإن الهيئتان المسؤولتان عن إدارة الانتخابات في أفغانستان –الهيئة المستقلة للانتخابات، والهيئة المستقلة للشكاوى الانتخابية- قد تم إضعافهما نتيجة عدم خضوعهما للمساءلة، بحكم أن الرئيس وحده صاحب السلطة في تعيين أعضائهما (تم في العام 2013 إنشاء هيئة اختيار، بمقدورها فقط التوصية بأسماء مرشحين، وبالتالي فإنها لا تمثل ضابطاً لسلطات الرئيس). ويتوجب على البرلمان الآن معالجة هذه المشكلة، من خلال فتح عملية التعيين لمجموعة واسعة من المعنيين، وتجريد الرئيس من سلطته هنا. بخلاف ذلك، فإن أفغانستان تخاطر مرة أخرى بأن تعهد بإدارة الانتخابات إلى أشخاص منحازين في أحسن الظروف، ومجرمين في أسوئها.

أيضا، يتوجب على البرلمان إطلاق عملية مراجعة شاملة لأداء الهيئة المستقلة للانتخابات خلال جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتحقق من الادعاءات، بتنظيم كبار مسؤوليها عمليات إضافة أوراق اقتراع للصناديق. كما يتوجب على أعضاء البرلمان المطالبة بملاحقة قانونية للعاملين في الهيئة الذين يثبت تورطهم في التزوير. ويجب أن يتبع ذلك إصلاحا شاملا على مستوى قيادة الهيئة، بالتزامن مع جهود ترسيخ استقلالها المؤسسي، وتعزيز الضمانات الداخلية والخارجية التي تؤكد حياد الهيئة.

إن نجاح الحكومة الأفغانية الجديدة لا يتوقف فقط على التزامها بدعم اتفاق الوحدة الوطنية، وإنما أيضا على جهودها لمعالجة المشاكل الهيكلية التي مضى عليها وقت طويل. وهذه التحديات ليست عصية على الحل، لكن مواجهتها تتطلب إرادة والتزاما، وهما المؤهلين اللذين افتقرت إليهما إدارة (الرئيس الأفغاني السابق) حامد كرزاي. وليس من حافز أكبر لإدارة الرئيس الأفغاني أشرف غني للتحرك، أكثر من بلوغ التشكك الشعبي ذروته بشأن الديمقراطية. إذ إن إصلاح العطب الديمقراطي يتطلب أكثر من صبر المواطنين.