المليشيات في ليبيا تحكم قبضتها على المصرف المركزي

المليشيات في ليبيا تحكم قبضتها على المصرف المركزي

طرابلس – إرم

يبدو أن مقاليد السيطرة على الأموال في العاصمة الليبية طرابلس باتت واضحة الاتجاه، حيث فرضت جماعة الإخوان المسلمين، والمجموعات المسلحة المقربة منها السطوة عليها.

وأوضحت حركة الأموال، عبر المصرف المركزي الليبي، أن الأمور في قبضة الإخوان والمليشيات من خلال إحيائهم للمؤتمر الوطني العام (البرلمان) المنتهية ولايته ، والحكومة المنبثقة عنه.

وحصلت إرم على عدد من الوثائق والبيانات المالية لحكومة الإنقاذ الوطني، المعلنة من جانب واحد، حيث أوضحت الوثائق الممهورة بتوقيع عمر الحاسي رئيس حكومة الإنقاذ، ما يبين صرف المركزي الليبي 2.55 مليار دينار ليبي حتى تاريخ نهاية سبتمبر /كانون الأول الماضي، وضمن 30 بنداً للصرف، وهو مبلغ صرف في شهر واحد بعد تكليف الحاسي بالحكومة، المسيطرة على العاصمة طرابلس.

وبحسب الوثائق، فإن المصرف المركزي قام بصرف هذا المبلغ الضخم، ضمن مخصصات الباب الثالث للموازنة العامة للعام 2014 ، والتي كان المؤتمر الوطني العام قد اعتمدها لحكومة عبد اللهالثني في مايو الماضي، وهو ما يشير إلى فقدان البرلمان والحكومة في طبرق السيطرة على أموال الدولة وميزانيتها، والعجز الواضح عن تسييل أموال كبيرة لتسيير المهام، ما خلق عزلة تامة تفرض على البرلمان والحكومة سياسيا ومالياً.

محمد الشنطة، مصرفي سابق، يصف هذه السطوة على المصرف المركزي الليبي بأنها نتيجة خلاف سياسي عميق يزداد تعقيداً كل يوم، وهو ما سمح لأجسام سياسية سابقة استغلال الفرصة ووضع يدها على مقدرات الدولة.

ويضيف الشنطة في حديثه مع إرم: ”أعتقد أن محافظ المصرف المركزي منذ البداية أظهر انحيازاً للإخوان، كما إنه وقع تحت ضغط المليشيات، عندما هددوه بإقالته من منصبه ، في حال امتثل لأوامر البرلمان المنعقد في طبرق (…) ، لقد رفض المحافظ حضور جلسة استماع من قبل البرلمان، وظل طوال شهر كامل يماطل ، وهو ما دفع بالبرلمان إلى إقالته ، لكن القرار ظل حبراً على ورق، خاصة وأن المصرف المركزي مقره الرئيس في طرابلس التي يسيطر عليها المسلحون “ .

وكان مجلس النواب الليبي قد أقال في منتصف سبتمبر الماضي، محافظ المصرف المركزي ”الصديق الكبير“ المقيم في مالطا، بعد رفضه الامتثال لجلسة استجواب، وحضوره اجتماع في ذات التوقيت مع المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، وهو ما فسر أنه منحاز للمؤتمر وغير معترف بالبرلمان .

ويعد ”الكبير“ من الشخصيات المصرفية المرموقة ، حيث يشغل إلى جانب وظيفته كمحافظ للمركزي الليبي، نائب رئيس المؤسسة المصرفية العربية، كما اختاره صندوق النقد الدولي في أكتوبر الماضي ، كأفضل محافظ للشرق الأوسط وشمال إفريقيا للعام 2014 .

لكن هذه الشخصية لطالما اجتذبت الجدل حولها، خاصة وأنه كان متهماً بقضية اختلاس مالي لإحدى الشركات في عهد القذافي، قبل أن تبرئه المحكمة في عام 2010 .

كما تتهمه القوى الليبرالية بقربه، وانحيازه للإسلاميين، حيث رفض قرار إقالته من قبل البرلمان، وتمسك بمنصبه كمحافظ للمصرف بعد سيطرة الإخوان على طرابلس .

وتعاني ليبيا من وضع أمني وسياسي مضطرب منذ سقوط نظام القذافي في أكتوبر عام 2011، في إطار صراع بين القوى الإسلامية والمدنية على الصعيدين العسكري والسياسي، حيث دارت معارك عنيفة منتصف يوليو/ تموز بين ميليشيات متناحرة للسيطرة على مطار طرابلس، لتعلن بعدها مليشيات مدينة مصراتة، والكتائب الإسلامية المتحالفة معها ضمن ميليشيا ”فجر ليبيا“ السيطرة على المطار وطرد مليشيات الزنتان.

وقد أعلنت هذه القوات عدم الاعتراف بمجلس النواب الجديد والحكومة المؤقتة، ودعت ”المؤتمر الوطني العام إلى سرعة الانعقاد باعتباره الجسم الشرعي الوحيد القائم لضمان الحفاظ على ثوابت ثورة 17 فبراير، ما جعل في البلاد برلمانين وحكومتين .

وكان مجلس النواب قد أصدر قرارا في أغسطس/آب الماضي ، يقضي بتصنيف قوات ”فجر ليبيا“ وجماعة أخرى هي أنصار الشريعة ”مجموعتين إرهابيتين“، وقال إنه سيدعم الجيش لمحاربتهما.

من جهته ، يؤكد أحد المدراء البارزين في المصرف الليبي المركزي ، بأن المصرف يدار حالياً بشكل متوازن، تحت سيطرة مباشرة من قبل المؤتمر، ولا يخضع لسيطرة البرلمان وحكومة الثني .

ويضيف المصدر: ”لقد وصل المركزي تعميم يطالب باعتماد توقيعات المؤتمر وحكومة الإنقاذ، وعدم التعامل مع البرلمان والحكومة في طبرق، ورافق التعميم تحذير من مساءلة قانونية وإدارية بحق من يخالف هذه القرار“ .

ولفت إلى أنه ”منذ مطلع أكتوبر/تشرين أول لم يتم تحويل أي مخصصات للبرلمان والحكومة في الشرق، والآن البرلمان يفكر في نقل المصرف المركزي إلى طبرق، وهو أمر مستحيل ولا يصدق مع سيطرة المؤتمر والمسلحين على طرابلس“.

وناقش مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي، موضوع إمكانية نقل المصرف المركزي من العاصمة، ولم يحدد آليات نقله وكيف سيتم التنسيق لتحقيق ذلك .

ومع كل هذه التعقيدات الشائكة، المرتبطة بسيطرة التيار الإسلامي من خلال المؤتمر وحكومته والمليشيات على حركة ومصادر أموال الدولة في طرابلس، يبدو أن البرلمان وحكومة الثني، سيواجهان مأزقاً في تمويل أعمالها وعقد جلساتها، كما ستدخل في دائرة التعطل الإجباري، وعجزها عن تسيير مهام الوزارات والمصالح الحكومية، لاسيما أن الإدارة في ليبيا تقوم على المركزية الإدارية المطلقة، حيث غالبية هذه المقرات وكوادرها في طرابلس، الخاضعة لسيطرة التيار الإسلامي والمليشيات المسلحة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com