لماذا اشترت الهند المطار ”الأكثر فراغًا“ في العالم؟

لماذا اشترت الهند المطار ”الأكثر فراغًا“ في العالم؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

اشترت الهند ما أصبح يعرف باسم ”المطار الدولي الأكثر فراغًا في العالم“ بسيريلانكا، في خطوة أثارت استغرابًا عالميًا رغم أن الخبراء فسّروا هذه الخطوة بأنها تأتي في إطار المنافسة الإستراتيجية المتنامية في جميع أنحاء منطقة المحيط الهندي.

وظلت مدينة الصيد الصغيرة ”هامبانتوتا“ القريبة من الطرف الجنوبي لسريلانكا، منذ وقت طويل، المثال الأبرز الذي يضربه جميع من يقلقون من الآثار الإستراتيجية لمبادرة ”الحزام والطريق“ الصينية المعروفة أيضًا باسم ”طريق الحرير الجديد“.

وبرزت هامبانتوتا للوعي الدولي منذ قرابة عقد من الزمن عندما تم التعاقد مع شركات صينية لبناء ميناء جديد كبير ومطار دولي وملعب دولي للكريكيت، جميعها متصلة بطرق سريعة متعددة المسارات صينية الصنع.

كان ذلك كله جزءًا من خطة رئيس سريلانكا آنذاك ماهيندا راجاباكشا، لتحويل دائرة ناخبيه النائمة إلى مركز عالمي جديد للشحن.

وعندما أهمل المستثمرون الدوليون ووكالات المعونة دراسة جدوى المشاريع، لجأ راجاباكشا للصين لتمويلها وبنائها. وعلى الرغم من أن الأحكام التجارية للمشاريع مبهمة، إلا أنه يقدّر أن إجمالي تكلفتها تجاوز 1.5 مليار دولار أمريكي على الأرجح، ومعظم التمويل جاء بقروض ذات فائدة مرتفعة نسبيًا.

ووفقًا لمؤيدي مشروع الميناء الجديد، فإن ”موقعه المجاور لأكثر الممرات البحرية ازدحامًا في أنحاء المحيط الهندي الشمالي، يفترض أن يجعله مركزًا طبيعيًا للشحن العابر والدعم اللوجستي، وهو جزء من خطط سريلانكا الطموحة لتحويل نفسها إلى مركز يقدم جميع الخدمات في المحيط الهندي قد ينافس سنغافورة يوماً ما“.

إلا أن محللين أمنيين قالوا إن هامبانتوتا قد تكون أيضًا مكانًا جيدًا لإنشاء قاعدة بحرية صينية كجزء من ”سلسلة اللآلئ“ الصينية عبر المحيط الهندي. وكانت المدينة وفقًا لعدة محللين هنديين، جزءًا من خطة صينية كبيرة لتطويق الهند في المحيط الهندي.

مشروع فيل أبيض سريلانكي

لسوء حظ سريلانكا، كان المستثمرون الأجانب محقين، إذ تحوّل المشروع بأكمله إلى ”فيل أبيض“ أو مغامرة مالية فشلت في الارتقاء إلى مستوى التوقعات، إذ لم تكن شركات الشحن الدولية مهتمة باستخدام هامبانتوتا نظرًا لوجود ميناء ممتاز في العاصمة السيريلانكية كولومبو القريبة، ولم يزر الميناء سوى حفنة من السفن غالبًا بعد إصرار الوكالات السريلانكية المحرجة.

كما أن مطار راجاباكشا الدولي الجديد اللامع غير مستخدم عمليًا، بيدَ أنه يحتوي على طاقم كامل من الموظفين ولا تقلع منه سوى رحلة دولية واحدة في الأسبوع.

ويقدم مبنى المطار الفارغ وعماله الذين يشعرون بالملل، فرصة رائعة للصحفيين لالتقاط الصور، كما يتم تأجير بعض حظائر الطائرات المبنية حديثًا للسكان المحليين لتخزين الأرز.

وعندما استحق دفع الفواتير، لم تستطع الحكومة سدادها، واضطرت سريلانكا التي لم يعد راجاباكشا رئيساً لها، للتوجه إلى مؤيديها الصينيين لطلب معروف منهم، وذلك للتنازل عن ملكية الميناء في مقايضة بين الديون وحصة في الميناء.

وفي حين أن سريلانكا تدّعي أنها احتفظت بالسيطرة على إدارة الميناء، إلا أن التفاصيل تبدو غامضة، ولدى الصين الآن خطط لبناء منطقة اقتصادية خاصة كبيرة حول هامبانتوتا، وقد يؤدي هذا في النهاية إلى زيادة الطلب على الشحن، ولكن من الصعب توقع أن يصبح الميناء مركز شحن عالميًا كما كان يوصف في السابق.

بالنسبة للبعض، تعتبر هامبانتوتا مثالاً ممتازًا لما يمكن أن يحدث عندما يدخل زعيم سلطوي، لا يخضع لضوابط  الديمقراطية المعتادة، في شراكة مع شركات صينية قد يكون لها دوافع خفية.

ويستخدم المشروع كدليل على أن مبادرة ”الحزام والطريق“ غالبًا ما تتضمن إقحام مشاريع غير اقتصادية في بلدان نامية بقروض لا يمكن سدادها أبداً.

ووفقًا للنقاد، فإن هذه المشاريع لن تؤدي إلا إلى الإضرار بالتنمية الاقتصادية على المدى الطويل وجعل العديد من البلدان مديونة سياسيًا لبكين.

ويتم طرح مزاعم مماثلة حول مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يجري إنشاؤه الآن في باكستان بتكلفة تصل إلى ما بين 40 إلى 100 مليار دولار، مع تخوّف البعض من أنه سيخلق ”فخ ديون“ لباكستان.

إحباط البحرية الصينية ودور المطار الفارغ

وأدى استيلاء الصين على ميناء هامبانتوتا إلى زيادة مخاوف نيودلهي من أنه سيصبح مركزًا للبحرية الصينية في المحيط الهندي، لكن في الواقع، من غير الممكن أن تصبح هامبانتوتا قاعدة بحرية صينية شاملة نظرًا لقربها من الهند والذي سيجعلها عرضة للهجمات الجوية في حالة وقوع نزاع بين البلدين.

لكن بمعزل عن الحروب، يمكن لهامبانتوتا أن تكون نقطة تزويد لوجستي جيدة لوجود بحري صيني موسع. ورغم زعم كولومبو مرارًا أنه لن يتم السماح بإنشاء مرفق أو قاعدة للبحرية الصينية في سريلانكا، إلا أن نيودلهي تشعر بالقلق من أن نفوذ الصين سيصل في يوم من الأيام إلى نقطة لا تستطيع فيها الحكومة السريلانكية ببساطة أن تقول لا.

ومن هنا يأتي دور المطار الأكثر فراغًا في العالم، وتقترح الهند إنفاق قرابة 300 مليون دولار لسداد دين سريلانكا للصين مقابل تأجير سريلانكا مطار هامبانتوتا للهند لمدة 40 عامًا، إلا أن خطط الهند المستقبلية للمطار غير واضحة؛ فربما تحوله لمدرسة طيران أو وجهة جديدة لحفلات الزفاف الهندية، لكن بكل الأحوال تبدو فرص تحقيقه أرباحًا، ضئيلة.

ومن العناصر الأساسية لإنشاء أي قاعدة بحرية خارجية أو حتى مرفق لوجستي هو ضمان سهولة قدرة وصول الناس والإمدادات عن طريق الجو، كما تتطلب أي قاعدة بحرية امتلاك قدرات مراقبة جوية بحرية.

لذلك سيعطي التحكم في مطار هامبانتوتا الهند سيطرة كبيرة على كيفية استخدام الميناء، ومن الصعب تصور قيام البحرية الصينية بتطوير مرفق هام في هامبانتوتا دون السيطرة على المطار.

باختصار، تنفق الهند 300 مليون دولار أمريكي لشراء مطار لعرقلة خطط إنشاء قاعدة بحرية صينية.

إن قصة هامبانتوتا الطويلة والملتوية هي رمز للمنافسة الإستراتيجية المتنامية في منطقة المحيط الهندي، إذ يركز جزء كبير منها على الملكية وقدرة الوصول للبنية التحتية.

في السنوات المقبلة، من المرجح أن نشهد مزيدًا من التناحر بين الهند والصين وآخرين في المحيط الهندي حول السيطرة على الموانئ والمطارات وغيرهما من البنى التحتية الحيوية، وربما بشكل متزايد من أجل امتلاك سيطرة على الحكومات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة