الأكراد يعززون دورهم الإقليمي

الأكراد يعززون دورهم الإقليمي

المصدر: شبكة إرم ـ خاص

جاءت موافقة برلمان كردستان العراق على إرسال عدد من قوات البشمركة الى مدينة كوباني السورية لتمثل تعزيزا للدور الكردي الذي راح يتصاعد في المنطقة، مع تصاعد صوت “التشدد والتطرف”.

وبرز هذا الدور الكردي مع اجتياح داعش لمناطق في شمال العراق في حزيران/ يونيو الماضي، إذ أظهر الأكراد شراسة في مواجهة هذا التنظيم المتشدد، بينما راح الغرب يغدق بالسلاح على الإقليم لأجل معركة يتبادل فيها الجانبان المكاسب.

ورغم وجود المصالح المتبادلة، غير ان اجتياح داعش لجبل سنجار وتهديده لإقليم كردستان، اعتبر، من وجهة النظر الغربية، صراعا بين كيان فتي يرمز الى قيم الديمقراطية والتعدد والتوق إلى الحرية، وبين تنظيم ظلامي يرمز إلى الشر والعنف والتطرف.

ومع بدء معركة كوباني والمقاومة التي ابدتها قوات حماية الشعب الكردية، توصل الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية الى قناعة بأن الاكراد السوريين أيضا يمكن أن يكونوا حلفاء في الحرب ضد الإرهاب.

فمن المعروف أن واشنطن دعمت تجربة الأكراد في كردستان العراق، لكنها لم تنفتح بالقدر ذاته على تجربة أكراد سوريا، بل بقيت منسجمة مع رؤية حليفتها انقرة التي عارضت نشاطات حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، ونظرت الى الحزب باعتباره امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا ضمن قائمة الإرهاب.

وتحدثت تقارير عن لقاء أجراه المسؤول الأميركي المكلف بالملف السوري، السفير دانيال روبنشتاين، مع مسؤولين من حزب الاتحاد الديمقراطي في باريس، كما تحدثت تقارير مماثلة عن لقاء جرى بين جنرال أمريكي وقياديين من الحزب في سنجار، قبل أن تنقل الطائرات الأميركية، أخيراً، أسلحة وذخيرة من إقليم كردستان العراق إلى مقاتلي الحزب في كوباني لمواجهة داعش، في مؤشر على تحول في سياسة واشنطن تجاه أكراد سوريا.

وتدرك واشنطن بان الحرب على داعش يحتاج الى قوى على الأرض ولن تجد أفضل من البشمركة في العراق، ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا للقيام بمثل هذا الدور، وهذا ما لمح إليه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري حين قال أن الأكراد اثبتوا، في كوباني، بانهم مقاتلون “أشداء وبواسل”.

إن هذا التغيير في الموقف الأمريكي يعد مكسبا للاكراد، وخصوصا في سوريا، وهو لم يكن متوقعا حتى وقت قريب بسبب رفض أنقرة الدائم لاي انفتاح غربي نحو أكراد سوريا، بيد أن الأولوية الاستراتيجية الغربية في محاربة الإرهاب جعلتها تقفز فوق شروط أنقرة.

ويرى مراقبون ان وحدات حماية الشعب ستمثل طرفا في المعارضة السورية المعتدلة التي تنوي واشنطن دعمها، ومن هنا حثت الولايات المتحدة قيادة إقليم كردستان العراق على لم شمل أكراد سوريا بغرض تجاوز خلافاتهم الداخلية، وهو ما تحقق فعليا الأربعاء إذ أنهت الأحزاب الكردية السورية خلافاتها، المستمرة منذ بدء الأزمة السورية، واتفقت على صيغة تدير بها المناطق الكردية في سوريا.

وجاء هذا الاتفاق بين الأطراف السياسية الكردية بعد سلسلة اجتماعات عقدتها في مدينة دهوك بكردستان العراق، وبرعاية رئيس الإقليم مسعود بارزاني، ومن أبرز ملامحه هو الاتفاق على تشكيل مرجعية سياسية واحدة وادارة مشتركة للمناطق الكردية السورية فضلا عن تشكيل قوة عسكرية بين الاتحاد الديمقراطي وأحزاب سورية أخرى انخرطت في صفوف المعارضة السورية.

ولا يمكن إغفال العامل القومي الكردي في مثل هذا الاتفاق، وهو ما عبر عنه بارزاني الذي قال إن “نجاح الأكراد أينما كانوا، هو نجاح للأكراد جميعا”، متحدثا عن “استعداد الإقليم لتقديم كافة أشكال الدعم اللازم لهم”.

واعتبر بارزاني أن “اتفاق دهوك هو اتفاق تاريخي بالغ الأهمية، وهو رسالة إلى أعداء الشعب الكردي الذين حاولوا دائما منع الأكراد من الاتحاد، وتعميق الخلافات الكردية – الكردية”.

ويرى مراقبون ان هذا الاتفاق جاء في ضوء التهديدات التي يمثلها داعش للمناطق الكردية، إذ أجبر ذلك الساسة الأكراد على تجاوز الخلافات وتوحيد الصف لمواجهة التنظيم المتشدد، وكسب ثقة الغرب لتقديم الدعم المطلوب.

حصيلة هذه التطورات ترجح كفة الأكراد لأن يتحولوا إلى لاعب أساسي في منطقة مضطربة سواء في العراق أو سوريا أو تركيا التي بدت الخاسر الأكبر من مجمل هذه التطورات، وهي تستطيع أن توظف ذلك لمصلحتها إذا مضت قدماً، كما وعد رئيس الوزراء التركي داوود أوغلو، في مسار الحل السلمي مع أكرادها، وبدلاً من الضغط على صالح مسلم ليقطع علاقاته بنظام بشار الأسد، يمكنها كسبه إلى جانبها عبر دعم طموحات الأكراد السوريين.

دلائل عدة تشير إلى بروز القضية الكردية على الساحة الدولية من جديد، وهو ما عبر عنه الكاتب الأمريكي ستيفن مانس فيلد صاحب المؤلفات الأكثر مبيعا بحسب قائمة جريدة النيويورك تايمز، إذ دعا في مقال له في جريدة الهافينغتون بوست الأمريكية الولايات المتحدة والغرب إلى دعم قيام دولة كُردية.

وقال مانس فيلد إن كانت هناك قضية مُلِحَّة يعلو صوتها في الشرق الأوسط المُضطرب فإنها قضية الدولة الكُردية. يتصاعد هذا الصوت من جبهات المعارك ضد تنظيم داعش، ويتردد صداها من خيبات الربيع العربي المُفجعة، مستنتجا: لقد أقبل زمن دولة كُردية .

ويرى مراقبون أن ما بعد “كوباني” ليس كما قبلها، والهوية الكردية انتعشت كما لم يحصل من قبل، ومن الآن فصاعداً، لا يمكن تحجيم الطموح الكردي، فالربيع العربي الذي مزق العرب، وأعاد إنتاج المذاهب والطوائف المتناحرة، وحد الأكراد وجعلهم رقما صعبا في معادلة الشرق الاوسط الذي يتشكل من جديد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع