اللاجئون السوريون في تركيا..“حصان طروادة“ في معركة انتخابية لا تعنيهم – إرم نيوز‬‎

اللاجئون السوريون في تركيا..“حصان طروادة“ في معركة انتخابية لا تعنيهم

اللاجئون السوريون في تركيا..“حصان طروادة“ في معركة انتخابية لا تعنيهم

المصدر: إبراهيم حاج عبدي – إرم نيوز

وجد اللاجئون السوريون أنفسهم، على حين غرة، في معمعة الانتخابات التركية، وأصبحوا ورقة رابحة في بورصة المزايدات السياسية، فكل مرشح طامح في الرئاسة أو البرلمان يعتقد أن موقفه، السلبي أو الإيجابي، من قضية اللاجئين، سيحدد مستقبله السياسي.

ويعيش في تركيا أكبر نسبة من اللاجئين السوريين، إذ يقدر عددهم بنحو أربعة ملايين فروا، في فترات مختلفة، منذ بدء الأزمة السورية قبل ثماني سنوات، وفي حين اختار بعضهم العيش في مخيمات، أقيمت على عجل قرب الحدود، فإن الغالبية العظمى منهم فضلوا العيش والاندماج في المدن التركية الكبيرة كغازي عنتاب وإسطنبول وأنقرة وميرسين وبورصة.

مساومة الاتحاد الأوروبي

ومثلما أن هذا العدد الهائل كان موضع ”مساومة سياسية“ بين تركيا والاتحاد الأوروبي، الذي تعهد بدفع نحو 6 مليارات يورو لأنقرة من أجل الحد من تدفق اللاجئين نحو القارة العجوز، فإن هؤلاء اللاجئين عادوا مجددًا إلى ”دائرة الضوء“ بعد الإعلان عن إجراء انتخابات مبكرة في تركيا والمقررة في الـ 24 من حزيران/ يونيو الجاري.

والمفارقة أن هؤلاء اللاجئين عادوا إلى ”الأضواء“ دون إرادتهم، إذ فرض عليهم أن يكونوا ”مفردة انتخابية“ في لعبة بعيدة عن همومهم وأحلامهم، وهو ما يعيد إلى الأذهان مصطلح ”البطل المهزوم“ الذي يستخدمه نقاد الأدب، فهذا البطل يحتل متن العمل الفني لكنه يظل عاجزًا ومقهورًا ومغلوبًا على أمره.

وبدا الانقسام واضحًا بشأن اللاجئين، خلال الحملات الانتخابية بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبين المعارضة، ففي حين وعد الرئيس التركي بالإبقاء على الامتيازات التي قدمت للاجئين السوريين وتعهد بمنح مزيد من السوريين من ذوي الكفاءات والخبرات الجنسية التركية، فإن معظم قادة الأحزاب التركية المعارضة، والمرشحين لمنصب الرئاسة أعلنوا عن عزمهم إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، في حال فوزهم في الانتخابات.

وكان محرم إنجه، المرشح لمنصب الرئاسة عن حزب الشعب الجمهوري، والخصم الشرس للرئيس أردوغان، قال تعليقًا على دخول السوريين إلى بلادهم لقضاء إجازة عيد الفطر: ”لو أن القرار بيدي اليوم لما سمحت للسوريين الذي ذهبوا لقضاء إجازة العيد بالعودة إلى تركيا نهائيًا“.

من جانبها تعهدت مرشحة حزب ”الخير“ ميرال أكشينر، خلال مهرجان انتخابي بولاية مرسين جنوب تركيا، بإعادة 200 ألف لاجئ سوري موجود في مدينة مرسين إلى بلادهم، في حال فوزها بالانتخابات.

وشددت أكشينر، التي توصف بـ“المرأة الحديدية“ على أن وجود اللاجئين السوريين في البلاد هو ”نتيجة لسياسة أردوغان الخاطئة“، وتسببت بـ ”انخفاض مستوى معيشتنا فالشباب الأتراك أصبحوا يعانون من البطالة“.

مناورة وتناقض أردوغان

ومع ارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة وهبوط قيمة الليرة التركية، يعتقد الكثير من الأتراك أن العمالة السورية الرخيصة قلصت الأجور، وزادت من حدة التنافس على الوظائف التي لا تتطلب مهارة عالية.

وإزاء هذه الأصوات المستاءة، أظهر أردوغان مرونة لصالح اللاجئين السوريين، وهو ما فسره محللون سياسيون بأنه ”مناورة انتخابية“ من أجل كسب أصوات السوريين الذين منحوا الجنسية التركية، ويحق لهم التصويت.

وانتقد المحللون إدخال قضية اللاجئين في ألاعيب السياسة، وتحويلها إلى ”حصان طراودة“ يقود هذا الطرف أو ذاك إلى سدة الرئاسة أو البرلمان، مشددين على أن اللجوء مسألة إنسانية بحتة، وينبغي ألا يتعدى التعاطي معها هذا البعد الإنساني.

ورغم دفاع أردوغان وحزبه عن اللاجئين، وتقديم الوعود السخية لهم بشأن مستقبلهم في تركيا، إلا أن حكومة العدالة والتنمية انتهت أخيرا، من تشييد جدار على الحدود السورية، في مؤشر على أن سياسة ”الباب المفتوح“ التي اتبعتها أنقرة خلال السنوات الماضية قد انقضت.

واستنتج المحللون أن هذا السلوك ينطوي على التناقض، فمن جهة يسعى أردوغان إلى كسب ود السوريين بإطلاق الوعود الانتخابية ”البراقة“ إلى حين تحقيق الفوز، ومن جهة ثانية يبني جدارًا على الحدود.

وتشير إحصاءات رسمية إلى أن أعداد اللاجئين السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية، خلال السنوات الأخيرة، تصل إلى نحو 70 ألف سوري، ورغم أن هذا العدد لا يشكل ”ثقلًا انتخابيًا“ قياسًا إلى أعداد الناخبين الأتراك الذين يقدرون بنحو 60 مليون ناخب، غير أن المسألة لا تقتصر على الانتخاب المباشر، وإنما ثمة طرقًا أخرى يمكن استغلال اللاجئين من خلالها للتأثير على الأصوات.

وأوضح المحللون أن أربعة ملايين سوري، وخصوصًا الميسورين ورجال الأعمال الذين نقلوا مشاريعهم ومصانعهم إلى الداخل التركي، يمكن لهم أن يساهموا في تأمين المزيد من الأصوات لحزب العدالة والتنمية وللرئيس أردوغان، عبر القيام بحملات انتخابية مجانية، وتلميع صورة أردوغان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك الخوض في نقاشات مع الأتراك البسطاء لإقناعهم بالتصويت لأردوغان، فضلًا عن مقدرة البعض منهم على تقديم إغراءات مالية للناخبين الأتراك الفقراء.

دمشق تستثمر أيضًا

وكان لافتًا أن دمشق استشعرت أبعاد هذا ”الاستثمار السياسي“، وأظهرت حرصًا نادرًا على مواطنيها الفارين إلى تركيا، رغم أن غالبيتهم الساحقة هم من المعارضين للنظام السوري.

ورأت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن ”النظام التركي لم يكتف بسرقة النفط السوري بالتعاون مع تنظيم داعش، ونهب المعامل والآثار، بل تعدى ذلك ليصل إلى مستوى التخطيط لسرقة أصوات المهجرين السوريين واستغلالها في الانتخابات التركية المرتقبة“.

وأضافت سانا، التي تعبر عن الموقف الرسمي للنظام السوري، ”أن أردوغان وجد في المهجرين السوريين فرصة أخرى للاستغلال بعد أن سيّس قضيتهم في المحافل الدولية، وتسوّل الأموال بحجتهم، ليأتي استغلاله لهم هذه المرة بشكل مختلف من خلال منحهم الجنسية لكسب أصواتهم في الانتخابات“.

ورغم أن الجيش السوري، وبدعم من روسيا وإيران، استعاد من المعارضة السورية المسلحة مناطق واسعة كانت تسيطر عليها في الشمال السوري، إلا أن اللاجئين الذين فروا منها لم يعودوا إليها ثانية.

والحال ذاتها تنطبق على المناطق التي سيطر عليها الجيش التركي في الشمال السوري، فرغم أن الرئيس التركي صرّح أكثر من مرة أن أحد أهداف عمليتي ”درع الفرات“ و“غصن الزيتون“ هو التمهيد لعودة اللاجئين، وحاول إقناع الغرب بذلك، إلا أن ”العودة المزعومة“ لم تتحقق، وهو ما فسره محللون على أنه ”خدعة عسكرية“ كان اللاجئون مجرد ذريعة لها.

أردوغان السوري

تجدر الإشارة إلى أن رجلَ أعمالٍ سوريًا شابًا، وهو محمد الشيخوني، مرشح في الانتخابات عن حزب العدالة والتنمية.

وكان الشيخوني حصل، أخيرًا، على الجنسية التركية، وسمى نفسه محمد أردوغان، تعبيرًا عن امتنانه وإعجابه بالرئيس التركي وسياسته المرحبة باللاجئين السوريين، وهو الآن رئيس شركة للسفر والبناء في مدينة بورصة الصناعية.

ويرى محللون أن فوز ”أردوغان السوري“ بمقعد في البرلمان سيمثل سابقة في الحياة السياسية التركية، وسيكون للسوريين صوت رسمي في المشهد السياسي التركي الذي يضيق بالمعارضة الوطنية، فما بالك بصوت برلماني من خارج الحدود.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com