ياباني يزج ببلاده في عالم الرهائن بسوريا

ياباني يزج ببلاده في عالم الرهائن بسوريا

طوكيو- عندما وقع الياباني هارونا يوكاوا في الأسر في سوريا هذا الشهر، ظهر في مقطع فيديو نشره خاطفوه فيما يبدو، وهم يلحون عليه للإجابة عن أسئلة يقول أصدقاؤه إنه يجد صعوبة كبيرة في الرد عليها منذ سنوات مثل من أنت؟ ولماذا أنت هنا؟.

ويقول من يعرفون يوكاوا (42 عاما) وحكايته إنه سافر في حقيقة الأمر للمرة الأولى إلى حلب قبل أربعة أشهر في رحلة للبحث عن الذات.

كانت التحولات في حياة يوكاوا في إحدى ضواحي طوكيو سريعة ومربكة، فخلال السنوات العشر السابقة فقد زوجته بسبب مرض سرطان الرئة وفقد عمله الخاص وبيته بسبب الإفلاس واضطر للإقامة في حديقة عامة نحو شهر حسبما قال والده وحسب يوميات كان يكتبها على الإنترنت.

ودفعت به هذه الظروف الصعبة التي مر بها إلى البحث عن ذاته، ويروي يوكاوا كيف غير اسمه إلى اسم هارونا ذي الوقع الأنثوي وحاول الانتحار بقطع عضوه التناسلي.

وفي أواخر 2013 بدأ يوكاوا يغازل اليمين المتطرف في اليابان وخلق لنفسه شخصية جديدة كمستشار أمني حسبما أظهرت صحفته على موقع فيسبوك ومدونة شخصية وذلك رغم أنه لم يؤد أي عمل بهذه الصفة.

واقترض يوكاوا المال للسفر إلى سوريا وحلم بتقديم خدمات أمنية للشركات اليابانية الكبرى في مناطق الصراع مثل الساحل الصومالي.

وقال لأصدقائه وأسرته إن الحرب في سوريا بداية جديدة بل إنها فرصته الأخيرة للنجاح في الحياة، وكان يعتزم السفر في وقت لاحق من العام الحالي إلى الصومال ”حيث سيرتفع عامل الخطر“.

وقال شيوشي والد يوكاوا البالغ من العمر 74 عاما: ”شعر أن حياته وصلت إلى حدها الأقصى“.

ودفع سقوط يوكاوا في أيدي مقاتلين يعتقد أنهم من تنظيم ”الدولة الإسلامية“ باليابان لتسارع مثل حكومات أخرى للعمل لإطلاق سراح عشرات الأجانب المحتجزين رهائن في العراق وسوريا.

ويمثل هذا الحادث أول عملية احتجاز رهائن تضطر حكومة رئيس الوزراء شينزو أبي للتعامل معها منذ كانون الثاني/ يناير عام 2013 عندما خطف متشددون إسلاميون عشرة يابانيين في مجمع للغاز بالجزائر.

وامتنعت وزارة الخارجية اليابانية عن تحديد هوية المخطوف أو التعقيب على التقارير، وقالت متحدثة باسمها: ”نحن نبذل قصارى جهدنا لجمع المعلومات“.

وتختلف صورة يوكاوا التي تصورها كتاباته وروايات والده والناس الذين التقوه في اليابان وفي سوريا عن الصورة الخشنة التي حاول أن يبرزها في مقاطع فيديو نشرها من سوريا وهو يرتدي قميصا أسود وملابس عسكرية مموهة.

وقال فادي قرمش الذي قابل يوكاوا وأمضى معه بعض الوقت في أربيل في شمال العراق خلال حزيران/ يونيو الماضي: ”كان ودودا للغاية ومهذبا، استضفته في بيتي خمسة أيام“.

وعرض قرمش صورا من تلك الفترة ظهر فيها يوكاوا وهو يحمل طفلة على ذراعه.

قبل ذلك بشهرين كان يوكاوا في سوريا وأوقفه مقاتلو الجيش السوري الحر المعارض لفترة وجيزة لاستجوابه، وقال الصحفي الياباني كنجي جوتو الذي التقى يوكاوا آنذاك إن يوكاوا صادق عضوا آسيويا في الجيش السوري الحر.

وفي سوريا قال يوكاوا إنه أصبح قريبا بصفة خاصة من مقاتل من أصول كورية ويابانية ولد في يوغوسلافيا، وقال جوتو إنه بمرور الوقت أحبه مقاتلو الجيش السوري الحر فجعلوه يشاركهم طعامهم وقدموه لأسرهم في مخيمات اللاجئين، كما أطلقوا عليه اسما عربيا.

ويقول والده كما توضح مدونته إن يوكاوا تحدث عن ضرورة جلب أدوية لازمة بشدة وأحذية للمستشفيات السورية كما بدأ يبدي اهتماما بالإسلام.

وبعد زيارته الأولى لسوريا في نيسان /ابريل عاد يوكاوا إلى اليابان حيث أمضى فترة قصيرة قبل أن يعود للشرق الأوسط، وتوجه إلى العراق أولا مع جوتو في حزيران /يونيو لمراقبة الصحفي المخضرم وهو يؤدي عمله في منطقة حرب ثم سافر إلى سوريا مرة أخرى في أواخر تموز /يوليو عن طريق تركيا.

شركة عسكرية خاصة

وصور يوكاوا نفسه على الإنترنت كجندي مرتزق رغم أنه لم يتعلم في حياته قط كيف يتعامل مع السلاح وكان يصف نفسه بأنه شخص ”مهذب“ جدا.

وكشفت زيارة للعنوان الذي سجله في طوكيو للشركة التي أسسها على الورق واسمها الشركة العسكرية الخاصة عن مبنى يضم عددا كبيرا من المكاتب التي لا يحمل أي منها علامات.

وقد تأسست هذه الشركة لعدد من الأغراض من بينها نقل بضائع خاصة بالحيوانات الأليفة حسبما اتضح من أوراق تسجيل الشركة.

وفي واقع الأمر لم يكن للشركة وجود سوى على الإنترنت.

وفي مدونات بالفيديو تم تصويرها في سوريا وتحميلها على موقع الشركة على الإنترنت ظهر يوكاوا وهو يطلق النار بشيء من الارتباك من بندقية كلاشنيكوف في حلب.

وقال في إحدى المدونات: ”حراسي الشخصيين على مسافة خمس دقائق ولذلك أحتفظ بهذه للحماية“ والتقط بندقية هجومية ليعرضها للكاميرا.

لكن جوتو قال إن شخصية يوكاوا المهذبة هي التي ساعدته في كسب ثقة مقاتلي الجيش السوري الحر.

وتابع جوتو الذي التقى يوكاوا للمرة الأولى في حلب خلال نيسان/ ابريل: ”يوكاوا له أسلوب ناعم ليس فيه شيء من التهديد يجعل الناس تثق به ويريحهم“.

وفي يومياته على الإنترنت تحدث يوكاوا كيف كان يتبادل الكلام مع المقاتل الآسيوي في الجيش السوري الحر حتى الثالثة صباحا.

وقال جوتو: ”كانت الصداقة بين الاثنين عاملا كبيرا في تكون الرابطة التي ربطت يوكاوا بالجنود الآخرين“.

وفي مدونة من تشرين الأول/ أكتوبر قال يوكاوا إن البهجة البادية على وجهه أمر تعلمه منذ كان طفلا يتعرض للمضايقات من أقرانه.

وأوضح: ”كنت أتظاهر بأنني سعيد حتى إذا شعرت بالوحدة أو بالألم حتى لا يستطيع الآخرون قراءة ما بذهني، وأصبح إخفاء مشاعري الحقيقية شخصيتي الثانية، كما أفادني في العمل فيما بعد“.

وبدأت رحلة يوكاوا إلى حلب في ضاحية شيبا الهادئة على مسافة ساعة بالسيارة في شرق طوكيو.

فبعد أن تخرج من المدرسة الثانوية افتتح يوكاوا الذي كان اسمه حينذاك ماسايوكي متجرا لبيع مستلزمات عسكرية مثل الخوذ والأحزمة وغيرها.

لكن المتجر أفلس في عام 2005 وقال أبوه إنه أصبح مدينا.

وفي عام 2008 تقريبا وصف يوكاوا محاولة للانتحار بقطع عضوه التناسلي في خطوة شبهها بانتحار مقاتلي الساموراي اليابانيين.

وقال: ”قلت لنفسي إذا فشلت فسأعيش كامرأة وأترك الباقي للقدر“.

ولم ينقذ يوكاوا سوى زوجته التي تدخلت لنقله بسرعة إلى المستشفى، ثم ماتت الزوجة بعد ذلك بعامين تقريبا حسبما ذكر والده الذي قال إنه اضطر لبيع شقة اشتراها للزوجين وذلك من أجل سداد ديون ابنه.

ولم يرجع يوكاوا إلى بيت والده حتى العام الماضي، وقال الوالد إنه عندما عاد للبيت كان يبدو مختلفا فقد كان وجهه ممتلئا وشعره طويلا وبني اللون، وقال يوكاوا لوالده إنه استشار عرافا وقرر تغيير اسمه من ماسايوكي إلى هارونا.

وخلال الشهور القليلة التالية حضر فعاليات لجماعة جامباري نيبون (اصمدي يا يابان) القومية اليابانية التي نظمت عدة رحلات إلى الجزر التي يدور حولها نزاع بين الصين واليابان.

وتريد هذه المجموعة أن تتصدى اليابان للصين والولايات المتحدة وتنادي بالعودة لما تصفه بالقيم التقليدية اليابانية بما في ذلك تبجيل إمبراطور البلاد.

ونشر يوكاوا صورا له مع توشيو تاموجامي رئيس الأركان السابق لسلاح الجو الياباني الذي عزل من منصبه عام 2008 لقوله إن اليابان لم تكن المعتدي في الحرب العالمية الثانية، كما أقنع يوكاوا زعيما محليا للجماعة اسمه نوبو كيموتو (70 عاما) بأن يصبح مستشارا لشركته حسبما أوضح كيموتو نفسه.

وكان يوكاوا يتطلع لرحلته الأخيرة وحيدا إلى سوريا.

وكتب يقول في مدونته في حزيران /يونيو: ”يبدو الأمر وكأن جنود الجيش السوري الحر ينتظرونني، أنا في غاية السعادة وأريد أيضا أن أقابلهم على وجه السرعة“.

وقال: ”أريد أن أخصص ما تبقى من حياتي للآخرين وأن أنقذ الكثير من الناس، أريد أن أترك بصمتي على التاريخ مرة أخرى“.

وفي 14 آب /أغسطس هاجم تنظيم ”الدولة الإسلامية“ المقاتلين الذين كان يوكاوا معهم.

وقال جوتو استنادا لمعلومات حصل عليها من معارف محليين إن يوكاوا أصيب خلال القتال بجرح في ساقه ووقع في الأسر.

وفي ذلك الوقت كان جوتو قد عاد إلى اليابان.

وفي الفيديو الذي نشره شخص مجهول على يوتيوب هذا الشهر لعملية استجواب يوكاوا عقب وقوعه في الأسر يشاهد يوكاوا راقدا على الرمال ووجهه ينزف بينما تستجوبه مجموعة من الرجال المجهولين.

ويقول لهم يوكاوا اسمه، ويلح الرجال في السؤال لماذا كان يحمل سلاحا، وتتوالى الأسئلة من أحد الرجال.. هل هو لص؟ ولماذا يحمل سلاحا؟ وهل يقتل الجنود؟.

ويقول لهم يوكاوا إنه مصور، ويضيف: ”لست جنديا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com