بعيدا عن الدراما اليومية ومعارك ”تويتر“.. ترامب يبدأ تغيير الحياة الأمريكية

بعيدا عن الدراما اليومية ومعارك ”تويتر“.. ترامب يبدأ تغيير الحياة الأمريكية
U.S. President Donald Trump reacts as he arrives at the White House from Indianapolis, in Washington D.C., U.S. September 27, 2017. REUTERS/Carlos Barria

المصدر: رويترز

بدأ الرئيس دونالد ترامب إعادة تشكيل وجه الحياة الأمريكية بمختلف تفاصيلها الكبيرة والصغيرة حتى قبل أن يفي بأكبر وعوده الانتخابية.

ففي أول 9 أشهر له في الحكم ألغى ترامب سلسلة من القرارات التنظيمية السابقة وأصدر أوامر تنفيذية وأدخل تغييرات على الخطوط العريضة لإنفاذ القانون وذلك لإعادة صياغة القواعد الخاصة بصناعات من الطاقة إلى الطيران وبقضايا من الاعتداءات الجنسية في الجامعات إلى حماية الطلاب المتحولين جنسياً من التمييز.

وفي حين أن إدارته تعاني من الفوضى وأسلوبه في صنع القرار مندفع وغريب الأطوار، أدخل ترامب تغييرات قد تكون لها عواقب بعيدة المدى على المجتمع والاقتصاد، وتصدر بعضها عناوين الأخبار لكن كثيرا منها، لا تقل أهمية، مضت دون أن يلحظها أحد إلى حد بعيد في غمرة الجدل اليومي وإهانات تويتر التي ميزت الشهور الأولى من حكمه.

وفي عهد ترامب بدأ النفط يتدفق في خط أنابيب ”داكوتا أكسيس“، وزادت وتيرة القبض على مهاجرين يعيشون في الولايات المتحدة بصورة غير مشروعة، وبدأ تعدين الفحم في مزيد من الأراضي الاتحادية.

وتركت الإدارة بصمتها على أمور أقل أهمية أيضاً، فقد تراجع ترامب أو أجّل قواعد صدرت في عهد سلفه باراك أوباما ووفرت الحماية لمدخرات التقاعد من المستشارين الماليين منعدمي الضمير، وجعلت من الصعب على الشركات التي تنتهك قوانين العمل الحصول على عقود خاصة بأراض اتحادية وقيدت ما يمكن أن يفعله مقدمو خدمة الإنترنت ببيانات عملائهم الشخصية.

وتعد هذه التغييرات في السياسات المتعلقة بأمور محدودة الأهمية بعيدة كل البعد عن التغييرات الجذرية التي وعد بها ترامب خلال السباق إلى البيت الأبيض الذي فاز به على وعد بإعادة تشكيل واشنطن بصورة كبيرة.

وقال نورم أورنشتاين، المحلل السياسي في معهد أمريكان إنتربرايز المحافظ إن ”ترامب يجري تغييرات كبيرة على السياسات بل وينسفها“.

وتحول ترامب إلى الإجراءات الإدارية بعدما أغضبه عدم موافقة الكونغرس على تعهداته الكبيرة مثل إلغاء إصلاح نظام الرعاية الصحية الخاصة بسلفه والمعروف باسم أوباماكير وكذلك إقامة جدار حدودي مع المكسيك.

وتراجع الرئيس الأمريكي عن مئات القواعد واللوائح ووقع 47 أمراً تنفيذياً واستخدم أداة تشريعية كان يكتنفها الغموض، وهي قانون مراجعة الكونغرس، 14 مرة لإلغاء قواعد جرى إقرارها في الشهور الأخيرة من رئاسة أوباما، ولم يستخدم القانون سوى مرة واحدة قبل 16 عاما.

التراجع عن القواعد

وانسحبت إدارة ترامب أو أجلت أكثر من 800 إجراء تنظيمي تعود إلى عصر أوباما في الشهور الستة الأولى.

وتشير بيانات معهد المشروع التنافسي ”كومبيتيتيف إنتربرايز إنيستيتيوت“ إلى أن المقترحات الخاصة بقواعد جديدة، بما في ذلك تأخير أو إلغاء القواعد الحالية، انخفضت 32% عن نفس الفترة من 2016 في عهد أوباما وتقل أيضا عما كانت عليه في فترة الشهور الستة المماثلة خلال حكم جورج دبليو بوش، وهو جمهوري، والديمقراطي بيل كلينتون.

وفي نفس الفترة حد ترامب من إصدار لوائح اتحادية جديدة بإلزامه الوكالات بإلغاء لائحتين مقابل كل لائحة جديدة تضعها، وطالب كل وكالة بتعيين مسؤول عن إصلاح اللوائح بهدف إلغاء القواعد التي لا حاجة لها.

وقال واين كروز نائب رئيس السياسات بمعهد المشروع التنافسي: ”هذا إلى حد بعيد أكبر تراجع تنظيمي منذ رونالد ريجان… أسلوب ترامب حتى الآن هو تنظيم العاملين في الجهاز الإداري للدولة وليس المواطنين“.

وأشاد كثير من زعماء الأعمال بهذه التحركات التي تستهدف الوفاء بتعهد ترامب الانتخابي إنهاء السياسات التي يقول إنها تخنق الاقتصاد، لكن منتقدين يقولون إن خفضه القواعد الخاصة بحماية البيئة والعمال قدم أرباح الشركات على صحة وسلامة المواطنين في تناقض مباشر من خطابه الشعبوي الذي ميز حملته وساعده في الفوز بأصوات العمال.

وقال بن أولنيسكي نائب رئيس السياسات والاستراتيجيات بمركز التقدم الأمريكي إن ”النجاح الذي حققه ترامب في تغيير قواعد الطريق استخدمه ضد نفس الأشخاص الذين ساعدوه في فوزه بالانتخابات“.

وذكرت نعومي راو رئيسة مكتب البيت الأبيض للمعلومات وشؤون اللوائح أن الإصلاحات ستعزز النمو الاقتصادي وتوفير الوظائف.

وقالت في بيان لها إن ”إصلاح اللوائح يفيد جميع الأمريكيين“ مضيفة أن ”ذلك يمكن أن تكون له فوائد على الأخص للعمال من ذوي الدخل المحدود والمتوسط“.

ويتجاوز ”تأثير ترامب“ السياسات، فبعد حملة لم يسبق لها مثيل أعاد ترامب تعريف السلوك الرئاسي باستخدامه المندفع والعدواني في بعض الأحيان لتويتر ورفضه الابتعاد عن شركاته واعتماده على أفراد أسرته ككبار مستشاريه.

وأغضب الرئيس الأمريكي حلفاء خارجيين بتصريحاته العدوانية في بعض الأحيان وأثار انقسامات اجتماعية وسياسية في الداخل كان أحدثها هجومه على لاعبي كرة القدم المحترفين، ومعظمهم من السود، الذين ينحنون احتجاجا على الظلم الاجتماعي خلال عزف النشيد الوطني.

ولا يزال الكثير من مقترحات ترامب الكبرى في مجال السياسة في طي النسيان أو قيد المراجعة في إدارة تتسم عملية صنع القرار فيها بالفوضى في كثير من الأحيان، ومن هذه المقترحات منع المتحولين جنسيا من الخدمة في الجيش والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ وإنهاء برنامج يعود لعصر أوباما يمنع ترحيل الشبان الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة بصورة غير مشروعة عندما كانوا أطفالا.

لكن ترامب وجد سبيلا لإحراز تقدم في بعض المبادرات المتوقفة الأخرى، ففي حين تعثر إلغاء أوباماكير في الكونجرس أوجد تهديده بخفض الدعم الذي يساعد في تغطية تكاليف المستهلكين محدودي الدخل حالة من عدم اليقين دفعت كبرى شركات التأمين للانسحاب من بعض الأسواق الحكومية أو طالبت بأقسام شهرية أكبر كثيرا لعام 2018.

أسلوب الخطابة الحاد له أثره

وأوقفت الإدارة الأمريكية إعلانات الجماعات المجتمعية التي تساعد الناس على التسجيل في برامج التأمين وخفضت المنح التي كانت تحصل عليها مما يثير مخاوف من أن الكثيرين سيغفلون التغطية التأمينية أو سينسون تسجيل أسمائهم في خطط الرعاية الصحية للعام المقبل.

وأوقف الكونجرس خطط بناء جدار حدودي لكن خطابة ترامب الحادة كان لها أثر ظاهر على عبور الحدود بشكل غير مشروع فتراجعت أعداد الاعتقالات على الحدود الجنوبية الغربية بنسبة 63% من 42 ألف في يناير/ كانون الثاني إلى نحو 16 ألف في أبريل/ نيسان.

ومنذ ذلك الحين بدأت في الزيادة من جديد لكنها ظلت أقل من مستوياتها في العام الماضي.

وأدت الحملة على المهاجرين المقيمين في البلاد بشكل غير قانوني كذلك إلى زيادة كبيرة في الاعتقالات داخل البلاد، وفي المئة يوم الأولى من حكم ترامب زاد عدد الاعتقالات التي نفذها مسؤولو الهجرة بنسبة نحو 40% عن الفترة نفسها من العام السابق.

وقفز عدد المهاجرين الذين تخلوا سجلاتهم في أي جرائم سابقة بأكثر من 200% في الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى يوليو/ تموز من هذا العام وفقا لبيانات أطلعت عليها ”رويترز“.

ورفعت العديد من الدعاوى القضائية ضد الإدارة الجمهورية الجديدة في أغلبها من جانب مسؤولين حكوميين ديمقراطيين، وتمكنت المحاكم الاتحادية من الدرجات الدنيا الممتلئة بقضاة عينهم أوباما من تعطيل العديد من مبادرات ترامب على الأقل بشكل مؤقت.

واضطر ترامب لإعادة صياغة حظر على السفر قالت الإدارة إنه يهدف إلى حماية الحدود الاتحادية بعد أن واجهت نسختيه الأولى والثانية طعونا قضائية من منتقدين قالوا إن الإدارة تميز في المعاملة ضد المسلمين، وتضمنت أحدث نسخة فرض حظر على سفر مواطني 8 دول.

ومن المتوقع أن يكون من أطول إنجازات ترامب أمدا تأكيد إسناد وزارة العدل إلى نيل جورساتش الذي أعاد الأغلبية المحافظة للمحكمة العليا الأمريكية والمتوقع أن يتولى المنصب لعقود إذ أنه في الخمسين من عمره.

وقال توم بينيون مدير قسم العلاقات الكونجرس والسلطة التنفيذية في مؤسسة ”هيريتاج“: ”أعتقد أن ترامب أنجز الكثير بالفعل. هناك العديد من الأمور التي قد تسعد المحافظين، وأنا متفائل بأنه سيكون هناك المزيد“.