لماذا المحاولة الانقلابية في تركيا الحدث الأبرز بالمنطقة في 2016 ؟

لماذا المحاولة الانقلابية في تركيا الحدث الأبرز بالمنطقة في 2016 ؟
Turkish President Recep Tayyip Erdogan right, wipes his tears during the funeral of Mustafa Cambaz, Erol and Abdullah Olcak, killed Friday while protesting the attempted coup against Turkey's government, in Istanbul, Sunday, July 17, 2016. Rather than toppling Turkey's strongman president, a failed military coup appears to have bolstered Erdogan's immediate grip on power and boosted his popularity. (AP Photo/Emrah Gurel)

المصدر: إرم نيوز

أظهرت الأشهر الخمسة الماضية التي أعقبت المحاولة الانقلابية التي حصلت في تركيا في تموز/يوليو الماضي، أن الحدث اكتسب، داخليا شكل الزلزال، وأن ارتداداته الإقليمية راكمت تغييرات أهّلت الحدث لأن يوصف بأنه الأبرز على مستوى المنطقة في عام 2016.

مستقبل سوريا

صورةَ دلالية تختصر ما استجد على المنطقة ”السائلة“ بقوة ارتدادات المحاولة الانقلابية في تركيا، جرى تركيبها في اجتماع موسكو يوم الثلاثاء 20 ديسمبر لوزراء خارجية الدول الثلاث روسيا وتركيا وإيران، ربما تكفي لأن توجز ما تفكك وما يعاد تركيبه من الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.

اجتماع موسكو كان مبرره المعلن ترتيب الفصل الأخير من معركة حلب. الاجتماع أنجز تعهداً بضمان تنفيذ اتفاق يراد عقده بين النظام السوري والمعارضة المسلحة، كما تم الاتفاق على رؤية أو خريطة طريق لمستقبل سوريا.

تعبير ”مستقبل سوريا“ بعد خمس سنوات من الحرب الإقليمية التي تحولت دولية، يعني عملياً مستقبل المنطقة كلها. وبغض النظر عن مدى الأهمية الحقيقية لاجتماع موسكو وقدرة أطرافه الثلاثة على تنفيذ مثل هذه الاتفاقات.

إلا أن مجرد التفكير بها والتنادي لها، في غياب الأطراف العربية المعنيّة، يعيد للذاكرة اجتماعات مماثلة كانت انعقدت قبل مائة سنة بالضبط، بعد الحرب العالمية الأولى، أخرجت مجموعة معاهدات واتفاقيات، بينها سايكس بيكو المعروف أنها خططت بالقلم اليدوي على الطاولة، خرائط الدول العربية شرق المتوسط على أنقاض الإمبرطورية العثمانية.

الصورة والمقاربة فيهما شيء كثير من المخيلة السريالية المتوحشة، فقد استثمر أردوغان المحاولة الانقلابية بطريقة انتقل فيها بشعارالحرب على الإرهاب في سوريا والعراق، من مرحلة الشريك الضمني المضارب، إلى مرحلة التدخل العسكري المباشرفي معارك حلب والموصل، وبأسلوب أوصله لأن يحتل في اجتماع موسكو يوم العشرين من ديسمبر الحالي، كرسي ووظيفة الممثل أو الناطق الرسمي باسم ميليشيات ومنظمات المذهب السني التي تقاتل النظام السوري.

وهو في ذلك يقابل إيران التي أعطت لنفسها أصلا حق التحشيد المسلح و النطق باسم المذهب الشيعي، وفي المقابل أيضا على طاولة اجتماع موسكو، الرئاسة الروسية التي أعطت لنفسها كرسي الممثل الرسمي للمنظومة الدولية التي تحارب الإرهاب بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية ، وأيضا النيابة غير المفوّضة عن بعض منظومة ما يسمى ”أصدقاء سوريا“ بمن فيها مصر.

في حيثيات ومضامين هذه الصورة المتسلسلة من ارتدادات المحاولة الانقلابية التركية، ما لا يترك مجالا للشك في أن هذه المنظومة من قوى التدخل الخارجي في العالم العربي، وفي نهج ابتعادها عن واشنطن واستبعاد دول المنطقة، يمكن أن تجعل الإقليم السائل، أكثر قابلية للغليان العشوائي، وعلى مدى منظور غير قصير.

توظيف مبرمج للمحاولة الانقلابية

في غياب الموقف العربي الموحد من مجريات الملف العراقي – السوري، وبقوة تجديد التفاهم التركي مع إسرائيل وروسيا، أضحت تركيا أردوغان، اللاعب الإقليمي (السنّي) الأعلى صوتا في معارك متنقلة مشحونة بالفرز الطائفي.

وكان ملفتا أن الطريقة التي أدار بها أردوغان متواليات ما بعد المحاولة الانقلابية أفرزت سياقات معركة حلب وتثبيت نظام بشار الأسد، وهي نتائج جعلت الحرب على الإرهاب أطول زمناً وأدعى للقلق والريبة.

خروج التنظيمات والمليشيات من حلب، وبعدها من الموصل، في ظلّ استمرار عناصر التأزيم والاقتتال الطائفي وتدخلات تركيا وإيران، ربما يوسع دائرة العمل الإرهابي على مواقع داخل سوريا والعراق، وربما في الإقليم ككل.

في الخليج وغزة حماس 

تداعيات المحاولة الانقلابية التركية، وارتداداتها على الشرق الأوسط، اخترقت شبكة الآليات الإقليمية، بدءا من الحرب على الإرهاب والاقتتال الطائفي في سوريا والعراق، إلى الأمن الخليجي، والقضية الفلسطينية من خلال حماس/غزة.

خلال الأشهر الخمسة التي أعقبت المحاولة الانقلابية، حاول أردوغان تقليص فجوة الثقة مع الدول الخليجية. لكن حجم الاستعراض والغموض في أجندة أردوغان بعد المحاولة الانقلابية، واستمراره في رعاية الإخوان المسلمين، وفي طموحات النطق السياسي باسم السنة وباسم غزة حماس، لم يسعفه في إشاعة مناخ ثقة حقيقية مستدامة مع الدول الخليجية.

وجاء مؤتمر موسكو الأخير والاتفاق التركي مع إيران وروسيا، على الانفراد بإدارة التهدئة بسوريا وإدامة النظام، ليشكل مصدراً إضافياً لريبة الدول الخليجية وعدد من الدول العربية، من متواليات برنامج أردوغان لما بعد المحاولة الانقلابية.