تقرير ”الأخبار اللبنانية“ عن الإمارات.. تحقيق أم تلفيق ؟

تقرير ”الأخبار اللبنانية“ عن الإمارات.. تحقيق أم تلفيق ؟

المصدر: بيروت – إرم نيوز

لقي التقرير الذي نشرته صحيفة الأخبار اللبنانية يوم الجمعة الماضي تحت عنوان “ فلسطينيون وإماراتيون يبيعون القدس“ تقييمات إعلامية لبنانية متفاوتة، في قراءة تصنيفه المهني وتوقيت نشره وفي الرسائل التي استهدف تسويقها.

ففي الوقت الذي تعاملت فيه الغرف الإخبارية الإعلامية اللبنانية  مع التقرير  بكثير من الاستخفاف المهني، معتبرة إياه من فائض انتاج فرع الأمن والمعلومات في مخابرات حزب الله والمستشارين الايرانيين فيه، فقد نأت المواقع الإخبارية اللبنانية الرصينة عن عرض أو إعادة نشر محتوياته التي قرأت فيها ”إثارة لفظية تنتهك العقل“ حسب وصف رئيس مدير مكتب بيروت لإحدى شبكات التلفزة الأوروبية الكبرى.

أوسع التقييمات تفصيلاً ومنهجية لتقرير ”الأخبار“ اللبنانية أجراها مجموعة من مديري التحرير في مؤسسات إعلامية تضم الصحافة والتلفزة والإلكتروني، ممن يلتقون دورياً آخر يوم سبت من كل شهر تحت مظلة أنشأوها قبل ثلاث سنوات وسمّوها ”منتدى السبت“.

جلسة مطلع الأسبوع الحالي للمنتدى توسّعت دون ترتيب مسبق، في تقييم تقرير ”الأخبار“ الذي وصفه المتحدث الأول بأنه  لا يندرج تحت أي تصنيف مهني، إن كان تحقيقاً استقصائياً أو جهدا استخباريا على محركات البحث الإلكتروني.

وكان رأيه أن التقرير يخرج قطعاً عن الأصول المهنية والأخلاقية المرعية في باب الصحافة الاستقصائية كونه مثقلًا منذ البداية بالأحكام الجاهزة والمواقف السياسية المعادية ليس فقط لدول الخليج وإنما لكّل ما يتصل بالمذهب السنّي في المنطقة من قيادات وتوجهات، دون أن يستثني مصر والحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة .

وخرج المتحدث في تصنيفه المهني لتقرير الأخبار بأنه ”داتا تراكمية “ في قسم الرصد والتتبع الإخباري داخل مخابرات حزب الله، وتحديداً وحدة فلسطين المعروفة في فرع الأمن والمعلومات بأنها تخضع مباشرة لإشراف جهاز كتائب القدس الإيرانية.

الجيل المتمرس من الصحفيين اللبنانيين تربوا على قاعدة مسلكية ينأون فيها عن الخوض العلني في سلبيات زملائهم. لكنهم في المجالس المغلقة مثل ”ندوة السبت“  لا يترددون في تسمية الأشياء بمفرداتها مشترطين على من ينشر ألا يستخدم الأسماء.

السكين ذات الحدّين

الإشارة إلى سلطان المخابرات الإيرانية على  قسم فلسطين في مخابرات حزب الله، فتحت في الندوة مجالاً للحديث الصاخب في المهنج الإيراني باستخدام حيثيات المشهد الفلسطيني بكل ما فيه من تنافس على الزعامة وتقاطعات مع المنظومة الإقليمية، بحيث تنفذ الماكنة الإيرانية من ذلك الى التحشيد ضد المنظومة العربية السنيّة. وهو ما سمّاه مدير تحرير في فضائية لبنانية بأنه استخدام محترف لما يعرف بسيكلوجية الإعلام بأسلوب ”السكين ذات الحدّين“.

وأعطى المتحدث على ذلك شواهد واضحة من تقريرصحيفة “ الأخبار“ على هذا النهج الإيراني في الحرب النفسية. فالتقرير المكوّن من ثلاث قصص جرى تشبيكها بأسلوب الدمج بين المتقابلات، استهدف التضليل الإعلامي وتسويق الوعي المعلّب. فهو ياتبع القيادي الفلسطيني محمد دحلان  الذي لا يخفي تحفظه على توجهات وبرامج ايران التوسّعيّة في المنطقة .

لكن التقرير  تعمّد تسمية إحدى شركات دحلان بانها إماراتية وكرر ذلك خلافا للبديهيات، من أجل ان  تطال سكين الاتهام التشويهي دولة الامارات. ”سكين ذات حدّين، ومن دون أي مرجعية أخلاقية في العمل الصحفي“ كما قال.

وكان المتحدث في ذلك يشير إلى شركة معروفة لدحلان مسجلة في الإمارات باسم ”الثريا للابحاث والدراسات “  ليستخدم تقرير “ الأخبار “ تعبير ”الطرف الإماراتي“ وهو يعرض تفاصيل يعرفها كل أهل القدس وكذلك السلطة الفلسطينية عن شراء دحلان لمنزل في القدس ما زال مسجلاً باسمه.

وفي سياق حرفة  التلاعب بعقول القراء، كما قال المتحدث الذي لاحظ كيف يغرق تقرير جريدة الأخبار بايراد تفاصيل غير ذات صلة، عن مالكي العقار قبل بيعه، من آل الحسيني وجودة، ليملأ فراغات ذاكرة القارئ بأسئلة اعتراضية تشكك في الرموز والقيادات والعائلات الفلسطينية، فضلا عن توسيع دائرة الاتهام العشوائي  الى أوسع مدى جغرافي وسياسي .

فرضيات ايحائية من دون حيثيات

تقريرصحيفة  ”الأخبار“ اللبنانية المعروف تمويلها من حزب الله وإيران، يقدم ثلاث قصص تقوم على فرضيات إيحائية دون تعزيز:

الأولى عن عقار في القدس اشتراه دحلان وما زال مملوكاً له، والثانية عن الشخص الفلسطيني حامل الجنسية الإسرائيلية لعرب الـ 48، الذي كان وسيطاً في عملية بيع البيت، والثالثة عن شركة الثريا للدراسات والأبحاث التي يمتلكها دحلان في الإمارات. كل من هذه القصص يحمل عنوانا صارخا  لا تتضمن التفاصيل ما يسنده.ويصل التضليل في القصة ذروته بتكرار تسمية شركة دحلان بأنها ”طرف إماراتي ، خلافا للحقيقة ؛ ما يشي بالتعمّد المبرمج للتضليل في سياق مواجهات سياسية إقليمية معروفة.

ولأن القصص الثلاث هي من نوع الجهد الاستخباراتي الذي يتولاه فرع فلسطين لحزب الله، فقد فاض التقرير  بتفاصيل غير ذات علاقة بعنوانه.

والهدف من ذلك، كما أشار متحدث آخر في ”منتدى السبت“ هو إيهام القارئ بحجم الجهد المبذول في الاستقصاء، وصولاً إلى غسيل الدماغ بدعوى الحقيقة التي تفضي الى التفكيك النفسي للقارئ. فيها  أسهب التقرير المخابراتي بإيراد تفاصيل صغيرة وأسماء أشخاص وشوارع وشركات كما تفعل  كل التقارير المخابراتية التي يجري تجميع حيثياتها على مديات طويلة،  ليبقى دور الصحفي محصورا باضافة عنوان ايحائي او طرح سؤال اتهامي ، وذلك في سياق بعثرة أكبر قدر من  الريبة  والإثارة لدى القراء المستهدفين.

لعبة الضحيّة التي تبحث عن مبرّر للتوحّش

واستحضر المتحدث في الجلسة أن هذا الأسلوب في التوجه الإعلامي، هو في أساسه بحث مذهبي لـ ”الاثنى عشرية“ يجري تدريسه في حوزات قم، حيث تمّ توظيفه مبكراً منذ أيام الخميني كأساس لتصدير الثورة والتوسع الإيراني السياسي تحت الغطاء المذهبي. ويقوم هذا المنهج المذهبي الاستخباري على تمثيل دور الضحية من أجل تبرير قيام الضحية بالعنف الوحشي ، مستذكراً أن هذا هو الأسلوب الذي تستخدمه إيران في عشرات القنوات الفضائية وأجهزة الإعلام المختلفة التي تموّلها من المشرق العربي الى أقصى المغارب.

ولأجل ذلك – كما قال – فإن تقرير جريدة ”الأخبار“ الذي استهدف في الأساس شخص دحلان، لم يترك فرصة في السياقات إلا واستخدمها، ومن دون حيثيات، من أجل بيع مستخلصات  تحريضية ضد الأنظمة العربية وما يتصل بالموروثات  والمسلمات في الدول والمجتمعات العربية التي تتبع المذهب السني.

والهدف من ذلك ، كما قال المتحدث ، هو التضليل النفسي للقارئ ودعوته للمشاركة في ”اللطم“ على  ما يبيعه إعلام حزب الله وإيران من الادعاء بالمظلومية والخضوع للاضطهاد والتحشيد ضد الدول العربية لتبرير التدخل.

توقيت النشر في ذروة دورة التراجع لحزب الله

ندوة السبت الماضي لمديري التحرير في عدد من وسائل الإعلام اللبنانية، اختتمتها محررة القضايا الدبلوماسية  في قناة فضائية، بالتساؤل عن توقيت نشر جريدة ”الأخبار“ تقريرها الذي يستهدف  محمد دحلان ولا يستثني الإمارات ومصر والسلطة الفلسطينية.

وكان تقديرها أن توقيت الحملة الاستخبارية الإيرانية لا ينفصل عن حيثيات المشهد السياسي والأمني الإقليمي الذي يشهد دورة جديدة من دورات التراجع في صورة وحركة حزب الله. فجل ّالمعلومات التي وردت في التقرير لا تتضمن عنصراً خبرياً جديداً، بقدر ما هي داتا مخابراتية إيرانية في تتبعها لأنشطة القيادي الفلسطيني محمد دحلان، كما تفعل مع كل  مناهضيها  وأصدقائها أيضًا.

أما توقيت نشرها  لهذا التقريرالآن في موازاة سلسلة الانتكاسات التي تعرض لها حزب الله باغتيال مسؤوله الأمني مصطفى بدر الدين، وما أعقبه من محاصرة منابع تمويله عبر البنوك اللبنانية التي شرعت بتطبيق لائحة الكونغرس الأمريكي، فهو- كما قالت- يعكس الرغبة  في افتعال حركة إعلامية استعراضية تعيد توجيه الأنظار بتوزيع الاتهامات المعلّبة على مختلف الأطراف العربية التي يستهدفها البرنامج الإيراني في التوسع السياسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com