تفجير عدن .. أم تلحق بابنها بعد رؤية جثمانه الممزق في اليمن  

تفجير عدن .. أم تلحق بابنها بعد رؤية جثمانه الممزق في اليمن  

المصدر: عدن - إرم نيوز

لم تكن أم أحمد تعلم، وهي تودع ابنها ذا الـ 22 ربيعاً، قبيل مغادرة المنزل، أنها النظرة الأخيرة، بعد أن راح ضحية تفجير عدن، لتلحق به الأم المكلومة بفارق لحظات.

ولم يدر بخلد المرأة المتعبة من أوجاع الحياة ومشاكلها، أن فرحتها بذهاب ابنها لاستلام راتبه الشهري، ستكون وبالاً عليه وعليها وعلى كافة أفراد الأسرة المنكوبة، بعد أن صمت قلب الولد وأمه في مشهد تراجيدي بالغ التأثير، وفق تقرير نشرته وكالة الأناضول التركية.

وخيم الوجوم على كافة سكان حي ”كريتر“، أشهر أحياء عدن ”العتيقة“، من هول الصدمة.

استلقت أم أحمد على فراشها الممزق، وأغمضت عينيها، لكن قلبها ظل مبصراً، وهي تعد الدقائق انتظاراً لعودة نجلها أحمد، كما وعدها.

وبينما خيالها قد سرح بها نحو نوعية ما ستحمله لها يدا ولدها الوحيد بعد عودته، فوجئت بمن يطرق عليها الباب قائلاً:“ انهضي يا أم أحمد“ هناك انفجار حصل اليوم في الصولبان ولا نعلم شيئاً حتى اللحظة عن مصير ولدك“.

دارت بها الأرض وهي تحاول استجماع قواها، كانت تدرك منذ موت والد أحمد أنها ستعبر وولدها أزقة شاحبة، كشحوب الموت، فالتقطت عباءتها بيدين مرتعشتين واستقلت سيارة صغيرة أحضرها لها ابن شقيقها، فانطلقت إلى مستشفى الجمهورية حيث تم نقل الضحايا.

توسدت أم أحمد كرسي السيارة الصغيرة، التي كانت تلتهم الطرق المتهالكة بسرعة فائقة، كانت صامتة غير مستوعبة للخبر، وعيناها تطوف دون وعي في الشارع والحي الذي تسكنه منذ عشرات السنين، ولم تعلم أنها ستكون آخر نظراتها للأماكن التي أحبتها كثيراً والتصقت بها طوال سنوات عمرها الـ50.

دون شعور ولجت الأم المكلومة العنبر الذي تم فيه تجميع القتلى والمصابين، وهي تعدو مسرعة للمكان، لكن الفاجعة التي لم تتوقعها كانت حاضرة أمامها، حيث شاهدت ولدها – المبتسم قبل ساعات قليلة – وهو مضرج بدمائه، وسط عدد كبير من الأجساد والأشلاء المتناثرة.

لم تتحمل الأم الخمسينية رؤية جثة نجلها، وهي ملقاة على الأرض من دون حتى غطاء يستر الجراح العميقة التي أصيب بها، ففقدت الوعي على الفور.

لم تفلح محاولات الأطباء في إعادة النبض إلى قلبها لتلحق بابنها، في موقف مأساوي شديد التأثير، بحسب مصادر طبية من المستشفى.

يقول أحد أطباء مستشفى ”الجمهورية التعليمي“، بمدينة خور مكسر، وهو يروي تفاصيل الحادثة المؤلمة: ”دخلت الأم مهرولة الى أحد العنابر، التي تم وضع عشرات الجثث فيها، وأول ما وقعت عيناها على ابنها، صرخت بشدة، ثم فقدت الوعي“.

وأضاف ”تم نقلها سريعاً الى قسم الحوادث، وحاول الأطباء إعادة الحياة إلى قلبها، لكن الموت كان أسرع والأجل أقرب، فقررت الأم السير في طريق اللاعودة، ولسان حالها يقول: (كيف يطيب لي المقام بعدك يا ولدي)“.

لم تتحمل وقع الصدمة، وهي التي كانت وابنها الوحيد ترسم أحلاماً عديدة وأمنيات كثيرة، بحياة جديدة سيودعان من خلالها معا شظف العيش وسوء الحال، إلى واقع جديد وحياة أخرى مختلفة، غير حياة العوز والفقر والحاجة.

لم يمهل القدر تلك المرأة المكلومة، ولم يدعها تلثم خد وليدها وهو مضرج بدمائه، ولم يمنحها فسحة من الوقت لتبكي فيه سندها في الحياة، والعصا التي كانت تتكئ عليها فتحولت الأحلام إلى سراب، والفرحة إلى مصيبة.

رحلت الأم وولدها فأورثا قلوب أهاليهما حسرات كبيرة، وأعين متورمة ودموعا متحجرة، ستبقى شاهدة على سوء الأحوال التي وصلت إليها حياة الناس في بلد، كان يسمى وإلى وقت قريب بـ“اليمن السعيد”.

قد يبدو خبر القتل والمتفجرات ”اعتياديا ً“في بلد سافرت منه الطمأنينة منذ زمن، لكن موت أم بعد ابنها بلحظات، تشكل واقعة صادمة لكل من شاهدها، حتى أن الأطباء دخلوا في نوبة بكاء شديدة، تعبر عن سوء الحال الذي وصلت إليه الأوضاع.

وضعت الأم إلى جانب ولدها في سيارة إسعاف المستشفى، إلى منزلهما بحي ”كريتر“، حيث كانت الشوارع ساكنة من الحركة ”فالصمت حري بجلال الموت“ والأعين الدامعة تبعث في النفس سكينة غريبة، بغرابة وهول الفاجعة.

وفي وقت سابق اليوم لقي 47 جندياً من عناصر القوات الخاصة، بحسب آخر إحصائية، مصرعهم وأصيب 32 آخرون في تفجير انتحاري استهدف تجمعا للجنود، أثناء وقوفهم لاستلامهم رواتبهم الشهرية.

وتخلف التفجيرات الإرهابية، التي تستهدف مجندين وجنودا يمنيين، مآسي إنسانية، نظراً لالتحاق أعداد كبيرة من الشباب للتسجيل في صفوف الجيش، تحت وطأة الفقر والحاجة، وللتغلب على ظروف الحياة الصعبة، لكن المفخخات صادرت أحلام الكثير منهم وحولتهم إلى أشلاء متناثرة في الطرقات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com