‫المدنيون في عدن يدفعون ثمن غياب القضاء‬‎

‫المدنيون في عدن يدفعون ثمن غياب القضاء‬‎

المصدر: عدن – عبداللاه سُميح

اضطر المحامي محمد لترك مهنته التي كان يحلم بها منذ صغره، ووجد نفسه مرغماً على العمل في أحد المحلات التجارية، نتيجة توقف القضاء منذ أكثر من عام في محافظة عدن، على عكس ما تشهده صنعاء الخاضعة لسيطرة المتمردين الحوثيين وقوات المخلوع علي صالح العسكرية.

لم يعد بإمكانه تحمّل نفقات إيجار مكتب المحاماة الذي افتتحه قبل أعوام، ولا إيجار منزله الذي تقطن فيه أسرته ولا توفير حاجة أسرته من المستلزمات الغذائية الشهرية، فأغلق مكتبه كالعديد من زملائه المحامين الذين باتوا يعانون البطالة ويبحثون عن مصادر دخل أخرى.

وعلى الرغم من انتهاء الحرب في عدن منذ (يوليو/ تموز) من العام الماضي، وتوجيهات رئيس البلاد لمجلس القضاء الأعلى بسرعة عقد اجتماعاته وممارسة مهامه ومهام كافة السلطات القضائية لأعمالها والفصل في القضايا، إلا أن السلطة القضائية ما تزال مشلولة في معظم المناطق المحررة ومن بينها عدن التي تسببت الحرب فيها بتدمير 3 مبانٍ قضائية ونُهبت مبان أخرى، إضافة إلى اغتيال عدد من القضاة خلال الفترة التي أعقبت عملية تحرير المدينة.

وتنتظر السلطات القضائية عدداً من القضايا المتعلقة بالاختلال الأمني الجاري في عدن، حيث كشف وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن حسين محمد عرب، في تصريح سابق، عن ضبط 110 من المتهمين بالتورط في الأعمال الإرهابية والاغتيالات بعدن، لكن القضاء لم يعمل حتى الآن ليتولى عملية الفصل في قضاياهم.

وقال رئيس محكمة استئناف عدن القاضي فيهم عبد الله الحضرمي، إن عودة السلطة القضائية مرتبط بإعادة إعمار مقرات المحاكم والنيابات التي تهدمت وأصابتها أضرار بالغة، وإعادة صرف نفقات تشغيل المحاكم المتوقفة منذ (إبريل/ نيسان) من العام الماضي، إضافة إلى عدم عودة بعض القضاة ورؤساء المحاكم المتواجدين حاليا في محافظاتهم شمالي البلاد، وحالات الاغتيال.

واعتبر القاضي الحضرمي، في حديثه لموقع ”إرم نيوز“ أن الانفلات الأمني هو أحد أبرز المعضلات التي تعيق القضاة اللذين يتطلب حمايتهم وحماية مقراتهم وتوفير أمن خاص بهم، ودون وجود الأمن تثبيت أركانه لا يمكن الحديث عن القضاء ومؤسسات الدولة الأخرى.

ودعا الدولة إلى تذليل الصعوبات التي تواجه السلك القضائي لعدم وجود بدائل أخرى، وإذا ما تم تجاهل قضاء الدولة قد تأتي جماعات لتسدّ هذا الفراغ الشاغر وتربك المشهد برمّته لتحمل الدولة عواقب وخيمة، وهذا أمر لا يرغب به الكثير كالذي يحدث الآن وما تعمله بعض العناصر من خلال إصدار استدعاءات غير قانونية لفرض أمر واقع.

وأضاف الحضرمي أن غياب جهازي الأمن والقضاء سيكون له تأثير سلبي على حياة الناس في مجتمع مدني كعدن، وغيابهما معا يعني لجوء المتخاصمين إلى القوة والنفوذ وأخذ كل فرد لحقه بطريقته، وهذا أمر خطير غير محمود العواقب.

مؤخراً، أبدت دولة الإمارات العربية المتحدة، تبنيها تأهيل المحاكم وإعادة تأهيل القضاة من خلال تدريب عدد منهم وأعضاء النيابة في مدينة دبي، لكن الشروع الفعلي في إعادة إعمار المحاكم تأخر بعض الشيء، وهو ما يعتبره القاضي فيهم ”عائد للجانب الأمني في عدن“.

وتعطلت طوال فترة توقف القضاء في عدن، مصالح الكثير من المدنيين، في حين لجأ بعض المواطنين إلى شيوخ الدين والواجهات الاجتماعية، ووصل الأمر إلى أن تُطرح القضايا العالقة على طاولات الجماعات المتطرفة للفصل فيها، وممارسة سلطتها الضبطية الخارجة عن القانون.

المحامية هبة العيدروس، قالت إن استمرار غياب القضاء لأكثر من عام قد أضر بمصالح المواطنين العاديين والتجار والمحامين ضرراً بالغاً، ما دفع الكثير منهم إلى اللجوء لمحاكم غير شرعية للاختصام أمامها وهي بدورها تعمل على تنفيذ أحكامها، وهذا أمر غير شرعي وغير قانوني، طالما أنه لا يصدر من قضاة ذي ولاية واختصاص نوعي ومكاني معينين بصفة رسمية من السلطة القضائية في الدولة، فهناك قضايا أحوال شخصية ومدنية وتجارية وجنائية منظورة أمام القضاء منذ سنوات سبقت إغلاق القضاء أبوابه، لم يجد أصحاب الحقوق والمصالح من ينصفهم، فمن لديه القوة والنفوذ اليوم هو من ينتزع حقه أو ينتزع حق غيره“.

وأشارت العيدروس في حديثها لموقع ”إرم نيوز“ إلى أن هذا الغياب ساعد في نشوء ظاهرة الاعتداء على ممتلكات الدولة والممتلكات الخاصة، كالبسط عليها أو صرفها، ومسألة إيقاف هذه العملية لا تأتي إلا بحكم قضائي.

وأوضحت أن توقف القضاء حرم كثير من ورثة المتوفين والشهداء من الحصول على حكم بانحصار الورثة، ليطالبوا بميراثهم أو معاش أو مرتب مورثهم في ظل وضع معيشي صعب جداً.

في المقابل، حمّل المحامي أكرم الشاطري، السلطات الحكومية مسؤولية انعدام الدور القضائي، وقال إن القضاة أصبحوا مستهدفين من قبل الإرهاب اليومي، ولم تبد الدولة أية أهمية لضرورة بسط نفوذها على المناطق المحررة، بل إن الحكومة التي تتخذ من الخارج مقرا لها تخاذلت في ذلك.

ورأى الشاطري خلال حديثه لموقع ”إرم نيوز“ أن لجوء المواطنين إلى جهات غير قضائية للتحكيم سيساعد على تفشّي ظواهر أكثر عبثية كخلق مجتمع احتكاري تفرض فيه سيطرة القوي على الضعيف، ولن يكون الناس بخير ما لم توجد أجهزة دولة تلبي طموحات الناس وتقيم العدالة بقضاء عادل ومستقل“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة