الإمارات… تضحية بحجم المسؤولية – إرم نيوز‬‎

الإمارات… تضحية بحجم المسؤولية

الإمارات… تضحية بحجم المسؤولية

تاج الدين عبدالحق

لا يجوز الربط بين حجم الخسارة التي لحقت بالقوات الإماراتية العاملة في اليمن، وطبيعة الدور الذي تلعبه تلك القوات هناك؛ فالمشاركة الإماراتية في التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية، أو التصدي لمحاولات التدخل والتسلل التي تقوم بها قوى إقليمية طامعة، لم يكن تعبيرا عن التضامن والنخوة مع شعب شقيق فقط، بل هو نوع من الدفاع الاستباقي عن الأمن الوطني أيضا.

والذين اعتبروا الخسائر التي لحقت بالقوات الإماراتية ثمنا باهظا، ونتيجة فادحة، للتورط في شأن لا يعنيها، وأمر لا يخصها، يعبرون عن أهداف خبيثة، أو يقومون في أفضل الأحوال بتسطيح وتبسيط الحقائق، أو يقدمون قراءة ساذجة للمشهد السياسي، والأمني الذي تعيشه المنطقة.

فالانقلاب الحوثي، والتداعيات السياسية الناتجة عنه، لا ينظر إليه على أنه شأن يمني داخلي، محصور باليمنيين أنفسهم، بل هو مقدمة لتدخل خارجي في شؤون الإقليم ككل، ونقطة ارتكاز للتمدد في باقي دول المنطقة تحت مسميات مختلفة، وذرائع متعددة.

اليمن ليس منفصلا عن جغرافية المنطقة، وأمنه امتداد طبيعي لأمن باقي دول الجزيرة العربية، وأي اغفال لهذه الحقيقية هو تعام عن خطر آني، وتخلّ عن المسؤولية تجاه الأجيال المقبلة، وهي مسؤولية قد لا تكون الظروف المستقبلية مواتية لتحملها.

عندما أرسلت الإمارات وحدات من قواتها إلى اليمن كانت تدرك أن المهمة ليست نزهة، وأن هناك مخاطر حقيقية، ومجازفة مؤكدة، لكن الخيارات البديلة، عن تلك المخاطر، وعن هذه المجازفة، كانت ستكون أكثر كلفة وأكثر تعقيدا. فالسكوت عن الانقلاب الحوثي كان يعني إنتاج منطقة توتر أخرى في اليمن، شبيهة بتلك التي يعيشها العراق الآن، والتي تضغط تداعياتها السياسية والاجتماعية والأمنية على المنطقة برمتها.

وملاقاة الحوثيين قبل وصولهم لتلك الغاية، وهذا الهدف، تسهّل إلى حد كبير مواجهة مخاطر الانقلاب على الداخل اليمني وتوفر أعباء عبور تداعياته لحدود الإقليم وتهديده لأمن المنطقة. وقد ظهر ذلك واضحا في تطور الأحداث منذ وصول الوحدات الإماراتية إلى المناطق الجنوبية من اليمن، حيث شهدت هذه المناطق انحساراً سريعا للمد الحوثي، وعودة نشطة للحياة الطبيعية إلى كثير من المدن والمحافظات التي كانت مسرحا للخراب وساحة للدمار.

وليس سرا أن المشاركة الإمارتية في عاصفة الحزم، وإعادة الأمل، كانت تحظى بتقدير خاص من كافة شرائح المجتمع اليمني وأطيافه السياسية. فاليمنيون يدركون بحسهم الفطري أن الإمارات لا تسعى من وراء تدخلها ومساعدتها للهيمنة، وليست لديها رغبة في السيطرة وفرض أجندات لا يرتضيها اليمنيون، أو لا تتناسب مع تطلعاتهم وآمالهم، ويعرفون أيضا، أن هناك تقاطعا في المصالح، عندما تتحسب الإمارات من المخاطر الأمنية، أو أي شكل من أشكال عدم الاستقرار في اليمن.

من حق الإمارتيين أن يفخروا بالدور الذي لعبه أبناؤهم في اليمن، ومن حقهم أن يعتزوا بالتضحيات التي قدموها، فأمن الأجيال القادمة واستقرارها، يستحق تلك التضحيات، ويستاهل هذا الثمن حتى لو كان باهظا. ومن حقهم أيضا أن يفخروا أن تضحيات جنود الإمارات، كانت نصرة للحق، وإعلاءً للعدل وليس بحثا عن مغنم، ولا رغبة في الهيمنة.

ولذلك، فإن التناغم بين اليد الإماراتية الممدودة للمساعدة وإعادة الإعمار، وبين يد الحزم التي تدفع الشر والعدوان كان واضحا، وكان دليلا على أن العنوان النبيل للدور الإماراتي، جعل من العمل العسكري مظلة حامية لمساعدات إنسانية، أعادت لليمنين أملا كادوا أن يفقدوه، وأعادت للمنطقة استقرارا باتت تفتقر إليه.

لقد عكست ردة فعل الشارع الإماراتي، وما تم تداوله من تعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن استشهاد عدد من جنود الإمارات، صورة فريدة من التلاحم الوطني، بشكل يؤكد أن قرار المشاركة بعاصفة الحزم وعملية إعادة الأمل لم يكن قراراً سياسيا معزولا، بقدر ما كان تعبيراً عن مصلحة وطنية جامعة تلتقي حولها مسؤولية الحاكم وإرادة المحكوم.

الذين يعتقدون أن ما تكبدته القوات الإماراتية سيحجم دورها أو يقلص مهامها واهمون. فالمهمة التي بدأتها القوات الإماراتية لم تنته بعد، والمشوار أمامها ما يزال صعبا، لكن بشائره تبعث على التفاول، والحماس لاستكمال المهمة بأعلى درجاته، ليعود اليمن إلى حضنه الإقليمي وتستعيد المنطقة أمنها واستقرارها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com