فاصل رياضي مع بلاتر

فاصل رياضي مع بلاتر

تاج الدين عبد الحق

استقالة جوزيف بلاتر من رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم، حملت نكهة الإقالة، وقد تكون مقدمة لما هو أبعد، إذا ما واصلت الجهات التي كانت وراء الإقالة أو الاستقالة المفاجئة حملة التحقيقات في شبهات الفساد التي تورط فيها رئيس الفيفا المخضرم ومساعدوه.

الولايات المتحدة لم تخف دورها في محاصرة بلاتر بالتحقيقات التي قادت للإقالة أو الاستقالة، ولا تستبعد الاستمرار في ملاحقته باتهامات الفساد حتى بعد تركه للمنصب.  وهي إذ تفعل ذلك تفعله، لا انتصارا للحق والعدل بل تأكيدا لحرصها الدائم في أن يكون لها قرص دائم في كل عرس. وعلى خلاف ما يبدو فإن معركة واشنطن مع بلاتر لم تكن معركة رياضية بقدر ما كانت معركة سياسية واقتصادية.

رياضيا لاحقت أمريكا بلاتر، انتقاما مما اعتبرته انحيازا من رئيس الفيفا المستقيل لقطر، التي فازت على الولايات المتحدة لاستضافة بطولة كأس العالم لعام 2022. إذ وجدت واشنطن أن فوز قطر بالمسابقة ليس منطقيا، سيما وأن الولايات المتحدة، افترضت أن لديها إمكانيات رياضية تؤهلها من الناحية الفعلية، للفوز بسهولة على قطر لو كانت عملية التصويت عملية مهنية، بعيدة عن المال النفطي الذي اعتبرته الولايات المتحدة وآخرون سببا في فوز قطر غير المنتظر.

والأكثر من ذلك فإن بلاتر الذي كان يحرص على زيارة الدول المتنافسة قبل كل عملية تصويت، امتنع عن زيارة الولايات المتحدة، فيما قام بزيارة لقطر، وأيضا روسيا الفائزة باستضافة كاس عام 2018 .

وكان الإعلان عن فوز قطر رسميا بتنظيم دورة 2022، كافيا لطي صفحة الخلاف، لكن يبدو أن الولايات المتحدة لم تستسلم بسهولة للهزيمة وبدأت سلسلة من الحملات الإعلامية المنظمة، التي شككت في أحقية قطر باستضافة الدورة، وفي وجود شبهة فساد ورشوة سهلت فوز الدوحة بالبطولة، هذا ناهيك عما كانت تتضمنه تلك الحملات من اتهامات لقطر بانتهاك حقوق الإنسان وبالأخص حقوق العمال الأجانب الذين يتولون بناء المنشآت الرياضية اللازمة للبطولة.

وتطورت حملة واشنطن على رئاسة الفيفا وأخذت بعدا سياسيا عندما بدأت تتحرك واشنطن من أجل سحب ترشيح روسيا لاستضافة دورة 2018، على خلفية التدخل الروسي في أوكرانيا وغيرها من الخلافات الروسية الأمريكية بشأن قضايا دولية أخرى، ووجدت واشنطن في هذه الحملة السياسية فرصة أخرى للاقتصاص من بلاتر وتحميله مسؤولية إعاقة الحملة ضد روسيا .

لكن البعد غير الظاهر لحملة واشنطن على بلاتر، هو بعد اقتصادي، بامتياز. فهذه الحملة تجسد الدور الذي بدأت الولايات المتحدة تلعبه في السيطرة على العمليات البنكية حول العالم عبر حزمة من القوانين التي تهدف إلى مكافحة ما يعرف بالتهرب الضريبي، وفق آليه تسمح للإدارة الامريكية بالحصول على المعلومات المصرفية والبيانات الرقمية، وهي قوانين تعطى الولايات المتحدة الفرصة لملاحقة الكثيرين بشبهة غسل الأموال أو بشبهة الفساد.

ولذلك فإن ضبط عمليات الفساد داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهي عمليات تدر مليارات على المتورطين فيها، لم تكن وسيلة انتقام من إدارة الاتحاد الدولي فقط، بل وسيلة لتأكيد سيطرة الولايات المتحدة على العمليات المصرفية حول العالم، وإلزام البنوك بالاستجابة لطلبات واشنطن، كلما أرادت ذلك.

ومع أن المعركة مع بلاتر كانت أمريكية التصميم، والتنفيذ، إلا أن مخرجاتها ونتائجها تركت، ارتدادات مختلفة. فمن يقف ضد واشنطن ظالمة أو مظلومة، اعتبر الحملة ضد بلاتر حملة كيدية، هدفها تشويه السمعة والانتقام.

آخرون اعتبروها الضارة النافعة، فهي وإن كانت لخدمة أهداف سياسية واقتصادية أمريكية، إلا أنها تفيد الرياضة العالمية، وبالتحديد كرة القدم، وتخلصها من مظاهر الفساد، والهدر.

العالم العربي الذي لم يكن معنيا بالانتخابات السابقة للفيفا، تصدر المشهد هذه المرة عندما دخل الأمير الأردني علي بن الحسين السباق الانتخابي منافسا لبلاتر، ومع أن كثيرين اعتبروا حينها أن معركته الانتخابية هي نوع من المغامرة، إلا أن النتائج التي حققها الأمير الاردني في الانتخابات السابقة، تجعله منافسا قويا في الانتخابات المقبلة لاختيار خلف لرئيس الفيفا المستقيل.

وبتجدد حظوظ الأمير علي بن الحسين للفوز بالمنصب، يأخذ أبناء العالم العربي فاصلا رياضيا جديدا، في المسلسل الدموي الذي يعيشون فيه وهم يأملون أن يشكل فوز الأمير العربي شعاع ضوء في آخر النفق المظلم الذي يتخبطون فيه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع