غراس واليمن.. هوس بالعمارة والقات والخنجر

غراس واليمن.. هوس بالعمارة والقات والخنجر

المصدر: شبكة إرم ـ إبراهيم حاج عبدي

أي شيء وجده الكاتب الألماني غونتر غراس في اليمن حتى يعجب بهذه البلاد الفقيرة؛ الغارقة في الفقر والإهمال؟

على المستوى العربي، ذلك هو السؤال الذي يبرز لدى الحديث عن غراس الذي ترجمت غالبية أعماله إلى اللغة العربية مثل ”طبل الصفيح“، و“القط والفأر“، وأيام الجوع“، و“حقل واسع“ وسواها من الأعمال التي قادته إلى انتزاع أرفع جائزة أدبية، ألا وهي جائزة نوبل.

عشق غراس (1927 ـ 2015)، بلاد اليمن، وتجول في دروبها وجبالها ووهادها، وزارها مرات عدة حتى ارتبط اسمه بهذا البلد على نحو محير وغامض.

سحر اليمن السعيد غراس بموروثه الثقافي والحضاري وبتاريخه الموغل في القدم، وبتك الأرض البكر المفعمة بالأساطير والخرافات.

san8

أدرك الراحل بحسه الإبداعي الأهمية التاريخية للطراز المعماري اليمني، فتبرع بمليون دولار لإنشاء مدرسة لتعليم صناعة البيوت الطينية في مدينة شبام التاريخية، وكان يرى أن ناطحات السحاب الأولى شيدت في حضرموت التي وصفها بـ ”مانهاتن اليمن“.

والى جانب هوسه بالطراز المعماري والمخزون التراثي، وجد غراس في اليمن متحفا لكل ما هو غرائبي، فجذبه ذلك الجنجر التراثي المعقوف الذي يتمنطق بها اليمنيون، كما لفت نظره انتشار القات، على هذا النحو الواسع، في بلد بدا في نظره وكأنه يعيش خارج سيرورة التاريخ.

وينقل بعض المقربين من غراس أنه كان يحظى بحفاوة في اليمن لا تتناسب مع الواقع المرير للبلاد، وهو ما شجعه على التوسط لدى السلطات اليمنية للكف عن ملاحقة الروائي اليمني وجدي الأهدل صاحب رواية ”قوارب جبلية“ التي أثارت جدلا قبل سنوات.

لكن هذا الاحتفاء الرسمي كان يثير الشك لديه، فكان يحاول في كل زيارة أن يتجول في الأسواق والحارات الشعبية، وأن ينعم ببساطة البلاد بعيدا عن الرسميات، ويقول مرافق له لإحدى رحلاته لليمن إنه عند النزول من الطائرة في مطار زيون، عاصمة إقليم حضرموت، حيث كان هناك في استقباله محافظ الإقليم مع وفد مختار من وجهاء الإقليم، علق قائلاً للمحافظ، انه أول بساط أحمر تطأه قدماه في حياته، أما سيارة الليموزين التي كان عليه الصعود بها، في الرحلة من صنعاء حتى عدن، فقد فضل عليها الصعود بالحافلة مع الناس.

2023

نظرة استشراقية

يمكن أن نضع عشق غراس لليمن ضمن ذلك السياق الاستشراقي، حيث افتتن الغربيون بالشرق كفضاء غرائبي حافل بالمفارقات، وغير مألوف، وكلما كان الخيال خصبا وقادرا على تأجيج مثل هذه التوصيفات، كلما كان الفضول أكثر توهجا، ووضوحا لدى أولئك الشعراء، والروائيين، والرحالة، والمغامرين، والساسة، والفنانين…القادمين من رفاهية المدن الأوربية.

بهذا العمنى ظهر اليمن في عين غراس كما لو أنه مسرح متواصل العروض، حافل بالطقوس ، وحكايات الجن، والخرافة والسحر، والظواهر التي تفوق الخيال…هذا الكرنفال الشرقي الصاخب غذى الفضول لاستكشاف لغز الحياة على أرض تصلح للمغامرة.

تلك هي الهواجس والافكار التي انتابت غراس كما انتابت من قبل الكثير ممن أغواه سحر الشرق.

ولعل هذه الرؤية النمطية، بصرف النظر عن مدى صوابيتها، هي التي دفعت غونتر غراس لينضم إلى القائمة التي تضم أسماء كثيرة: غوتيه، فولتير، جوزيف كونراد، رامبو، موباسان… وغيرها من الشخصيات الأدبية الأوربية البارزة التي نظرت إلى الشرق بوصفه متحفا للأعراق، واللغات، والأديان، والتقاليد، والطقوس، والنبوءات المغلفة بالأسرار.

غراس، بدوره، أراد سبر تضاريس تلك الأرض الغارقة في الضوء ليقرأ المشهد أمامه بدقة قبل أن تبهت الملامح، ولعله وجد في اليمن ما هو مدهش حينا، ومقلق أحيانا، ومغاير عما ألفه في بيئته الأوربية الرتيبة في جميع الأحايين.

والأهم من ذلك ان غراس ابتعد تماما عن تلك النظرة الاستعلائية التي ميزت كتابات المستشرقين، والرحالة، والأدباء في تعاطيهم مع الشرق ”المتخلف، الهمجي، العنيف“ في نظرهم، فهو كان يطمح في معرفة الثقافات السائدة، ودلالات الطقوس بدون أي ايحاء بالفوقية، بل كان يندمج مع الناس كما لو انه قادم من صعدة أو الحديدة أو تعز.

Yemeni men relax in the shade chewing qa

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com