5 أعباء تواجه اقتصاد اليمن عند الانفصال

5 أعباء تواجه اقتصاد اليمن عند الانفصال

صنعاء – الواقع السياسي المرتبك، يزيد من الواقع الاقتصادي المؤلم لليمن، لم يتوقف الأمر على تلك التفجيرات التي تستهدف خطوط وآبار النفط، ولكنها تتعدى لإسقاط الدولة، وسيطرة فصيل سياسي على مقدرات الدولة، ذلك الفصيل هو “الحوثيون”، وحسب تقديرات البنك المركزي اليمني، فإن خسائر اليمن في مجال الصادرات النفطية بلغت 1.4 مليار دولار خلال الشهور التسعة الأولى من عام 2014، وتعد عوائد النفط أحد الموارد الرئيسة للموازنة اليمنية، بنحو 70 %. وترجع الخسائر في قطاع النفط اليميني إلى حالة النزاع المسلح باليمين ولجوء بعض الفصائل المتناحرة إلى تفجير خطوط نقل النفط.

وتصاعد النزاع الداخلي لليمن، يرجع لعوامل داخلية، ولكنها مرتبطة بشكل كبير بالصراع الإقليمي بين دول الخليج من جهة -وتحديًا السعودية- وإيران من جهة أخرى، وبدلًا أن يكون هذا الدور الإقليمي تعاونيًا لانتشال هذا البلد من براثن الفقر والفاقة، -حيث يعد اليمن من الدول الأشد فقرًا على مستوى العالم- أتى الدور الإقليمي كارثيًا، لاستمرار النزاع المسلح بين الفصائل اليمينة. وآخر صور هذا النزاع الإقليمي، السعي لانفصال جنوب اليمن.

الجدير بالذكر أن الوحدة اليمنية تمت عام 1990 من خلال الدولتين (اليمن الشمالية، واليمن الجنوبية)، إلا أن اليمن الشمالي حسم أمر الوحدة من خلال السلاح في عام 1994، لتصبح جمهورية اليمن. إلا أن الدعوة لعودة الانفصال بدأت تعود مرة أخرى منذ نحو 7 سنوات، وكان نظام على صالح يتعامل بعنف مع أي تحرك في إطار الدعوة للانفصال.

ولم تأت الدعوة لانفصال جنوب اليمن من فراغ، فهناك شكوى دائمة من قبل الجنوبيين، بأنهم مهمشون، وأن الشمال استحوذ على الثروة والسلطة، وهو أمر يشترك فيه الشمال والجنوب، حيث كرس نظام على صالح للفساد والمحسوبية، وتركيز الثروة في يد عدد محدود من أبناء اليمن، بعيدًا عن الصراع الإقليمي.

ثمة قضايا عدة على الصعيد الاقتصادي تكرسها الدعوة لانفصال جنوب اليمن، منها ما يتعلق بالنفط، ومنها ما يتعلق بضعف الدولة الناشئة، ومنها ما سيؤول إليه اليمن الشمالي نفسه بعد الانفصال إذا قدر له أن يكون، حيث ينتظر أن يؤدي الصراع الإقليمي والداخلي معًا إلى وجود دولتين في الشمال أحدهما للسنة والأخرى للشيعة. وبالتالي نحن ننتظر أن تتفتت الموارد الاقتصادية المحدودة بين ثلاث دويلات، لن يحصد اقتصادها إلا المزيد من الفقر.

الأعباء الاقتصادية للانفصال

لكل من الوحدة والانفصال تكاليف مادية واقتصادية، ولكن في إطار الوحدة تتجه التكلفة إلى بناء التنمية والتعاون فيما بين الكيانات الموحدة لمساعدة الأضعف، وخلق فرص التعاون من خلال الاندماج، إلا أن الانفصال تبعاته أكبر، وبخاصة إذا ما كانت الوحدة التي مرة عليها نحو عقدين من الزمن في الحالة اليمنية أدت إلى خلق مصالح مشتركة، فيما يتعلق بالبنية الأساسية للاقتصاد، وغيره من الجوانب الأخرى. وفيما يلي نشير إلى بعض الأعباء الاقتصادية التي يتكبدها الاقتصاد اليمني في حالة تحقيق انفصال جنوب اليمن.

تحدي النفط: على الرغم من صغر القطاع النفطي باليمن مقارنة بغيره من الدول النفطية الأخرى، إلا أن النفط منذ ما يزيد عن عقدين ونصف من الزمن يمثل موردًا ماليًا مهمًا لخزانة الدولة اليمنية، حتى بلغ مؤخرًا نحو 70 % من الموارد الكلية للموازنة العامة للدولة.

ومع ذلك فهناك مصالح متشابكة، ومن الصعوبة بمكان تفكيكها، من حيث طبيعة آبار النفط، أو خطوط أنابيب الخاصة بنقل النفط والغاز، أومن حيث الشركات النفطية وطبيعة علاقاتها التشاركية مع الشركات الأجنبية المنتجة.

ولن تكون مسألة فض هذه العلاقات التشابكية سهلة نظرًا لتبعتها المادية، فمرور خط أنابيب ينقل نفط الجنوب للشمال، يعني إما استمرار العلاقة في إطار عمولات، أو استغناء الجنوب واعتماده على خط أنابيب متهالك يتطلب أعمال صيانة كبيرة، أو إنشاء خط جديدة، وكلها تكلفة تضعف من بنيان اقتصاد لدولة ناشئة.

الأمر الآخر أن الشركات الأجنبية ستجد نفسها أمام دولتين، فستطلب الحفاظ على مصالحها من جهة، ونظرًا لأن الدولتان ستكونان في موقف ضعيف، فسيفتح ذلك المجال للشركات الأجنبية المنتجة للنفط لفرض شروط جديدة، تخصم من مصالح الدولتين.

وثمة سجال بين دعاوى أن الجنوب يمتلك 75% من النفط اليمني، ودعاوى أخرى بأن الشمال يمكنه الاكتفاء ذاتيًا في مجال النفط، وأن الغاز سيكون نقطة ضعف الجنوب، مما يجعل الجنوب في موقف أضعف يفرض عليه الخضوع لشروط الشمال، أو اللجوء لاستيراد الغاز لسد احتياجات شبكة المنازل المستفيدة من الغاز الطبيعي بالجنوب.

أعباء التكلفة المادية لإدارة الدولة: قد تكون حالة السيولة التي تمر بها الدولة اليمنية الآن مشجعة لدعوى الانفصال لدى الجنوبيين، ولكن الدولة لها تبعات مالية تجاه مؤسسات إدارتها، داخليًا وخارجيًا، ومما يذكر في هذا المنوال، أن بعد الدول الفقيرة تعجز عن سداد التزامات مسئوليها لحضور مؤتمرات دولية، وهو ما شهدناه في مؤتمر منظمة التجارة العالمية غير مرة. فضلًا عن نفقات الدولة الأساسية من الإنفاق على مرافق العدالة والعلاقات الخارجية، والأمن الداخلي والأمن الخارجي، فضلًا عن التعليم والصحة وباقي الخدمات، التي عادة ما تتحمل منها الدولة النصيب الأكبر في ظل الدول النامية.

أعباء الالتزامات الدولية: لا شك أن هناك التزامات دولية لدولة اليمن تجاه علاقاتها الخارجية على رأسها الديون الخارجية، التي تصل إلى 7.4 مليار دولار في منتصف عام 2014، حسب بيانات البنك المركزي اليمني، ولا يتخيل أن مثل هذا الالتزام يتحمله طرف دون آخر، فضلًا عن دخول اليمن في ديون خارجية جديدة آخرها قرض صندوق النقد الدولي الذي أقر في أكتوبر الماضي، والذي يصل لنحو 650 مليون دولار، بما يرفع قيمة الديون الخارجية لنحو ما يزيد عن 8 مليارات دولار.

ومن ناحية أخرى فإن اليمن كان بصدد الحصول على منح وبرامج مساعدات وقروض أخرى، بعد توقيعه لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وستجد الأطراف الدولية نفسها أمام دولة مفككة، وقد تستمر في برامجها مناصفة بين الدولتين، أو توفي تجاه الدولة الأولى، أو تلغي هذا الالتزام أو الوعد الذي قطعته على نفسها تجاه الدولتين، وبالتالي تظل الدولتان في مأزق الأزمة التمويلية.

تكريس الأزمة الاقتصادية: تأتي الدعوة لانفصال الجنوب اليمني، وسط أزمة اقتصادية كبيرة في اليمن، فضلًا أن اقتصاد اليمن في الوضع الطبيعي وبعيدًا عن التداعيات السلبية للنزاع المسلح هناك، أنه اقتصاد مأزوم، يعاني نصف سكانه من الفقر، ولديها ناتج محلي ضعيف وهش يبلغ 35.9 مليار دولار بنهاية عام 2013، يعتمد على المواد الأولية، وعلى رأس ها النفط. وبلا شك في ظل تزايد أعمال العنف خلال 2014 وتراجع إنتاج وصادرات النفط، وانخفاض أسعار النفط في السوق الدولية، سوف يتراجع هذا الناتج بشكل ملحوظ.

وانقسام الدولة في هذه الظروف لن ينتج إلا دولتين أشد فقرًا، ليكون اليمن الجنوبي رقم في قائمة الدول الأشد فقرًا على مستوى العالم بجوار اليمن الشمالي.

أعباء عدم الاستقرار: في ظل المناخ السياسي السائد في اليمن، وطموح الحوثيين الذي امتد مؤخرًا لمناطق الجنوب، فإننا أمام مخاطر اقتصادية تهدد دولة الجنوب، إذا ما قدر لها أن تقوم، لمواجهة التهديدات الخارجية المتمثلة في الحوثيين، والتهديد الداخلي المتمثل في صراع القوى السياسية داخل الجنوب. ولعل نموذج جنوب السودان يدلل على هذه المخاطر، وتداعياتها الاقتصادية، التي أثرت بشكل كبير على ارتفاع معدلات الفقر والفساد هناك، وهو نموذج قابل للتكرار في جنوب اليمن بشكل كبير.

وهم الدعم الإقليمي: قد ينصاع بعض الداعين لانفصال الجنوب لهذا الخيار بقوة تحت وهم الدعم الإقليمي، فلا توجد شواهد على مثل هذا النموذج الحالم. ولعل موقف الخليج الآن من دعم النظام المصري، يبين أن هذا الدعم عادة ما يكون مؤقت، وإن استمر فيكون بشكل ضعيف.

ختاما: إذا ما كانت بواعث الانفصال اقتصادية بالدرجة الأولى، من حيث تهميش وإقصاء الجنوب تنمويًا، فإن هذه آفات التنمية في كافة الدول النامية، فما بالنا بدولة تصنف تنمويًا بأنها ضمن “الدول الأقل نموًا”، حيث تتركز مشروعات التنمية في العاصمة أو في عواصم المدن الكبرى. وليس هذا دفاعًا عن الحكومات اليمنية السابقة أو الحالية، ولكننا بصدد ظاهرة تنموية سلبية، تتساوى فيها أقاليم محافظات الجنوب والشمال على سواء.