”مجلس التعاون السعودي التركي“ ولعبة المحاور بين الرياض وطهران

”مجلس التعاون السعودي التركي“ ولعبة المحاور بين الرياض وطهران

المصدر: المنامة - محرر الشؤون الخليجية

تساءل مراقبون حول إمكانية قراءة الاتفاق المبدئي، السعودي التركي بتشكيل “ مجلس تعاون  استراتيجي“ لتعزيز التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، والذي أعلن عنه في الرياض يوم أمس الأول الثلاثاء، في ختام زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للرياض ولقائه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، خارج سياق المواجهة المحتدمة والمتواصلة منذ سنوات، وذات البعد الطائفي وعلى جبهات سياسية واقتصادية وعسكرية، بين إيران التي تمثل مركز ومرجعية المذهب الشيعي في العالم، والسعودية التي تمثل مركز ومرجعية المذهب السني ( وتنويعاته المختلفة ) في العالم؟.

المراقبون الذين تابعوا الإعلان عن الاتفاق أو التوافق بين زعيمي البلدين ”السنيين“ الكبيرين لا يستطيعون اجتراح إجابة بعيدة عن قوس الصراع بين طهران والرياض، خصوصا وأن دوافع تشكيل هذا المجلس جاءت بهدف تنسيق أمور عدة، في مقدمتها ”الأمور الأمنية والعسكرية“ ثم السياسية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية والطبية، والطاقة وغيرها.. بحسب ما جاء على لسان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الثلاثاء في الرياض مع نظيره التركي أحمد داود أوغلو.

ولعل ترتيب الأمور، وفق ما صدر عن وزير الخارجية السعودي يحمل، فيما يحمل من دلالات ورسائل إقليمية ودولية، تفيد أن منطقة الشرق الأوسط تدخل، فعليا، مرحلة تكتلات ومحاور القوة الذاتية، التي تتجاوز مرحلة التلويح بها إلى استخدامها، عندما يلزم الأمر.

ولا يخفي الساسة السعوديون انزعاجهم وخيبة أملهم من موقف الولايات المتحدة المتراخي حيال أزمات المنطقة، خصوصا الأزمة السورية، بل أن بعض صُناع السياسة السعودية، باتوا يتشككون في صدق النوايا الأمريكية حيال جدية التدخل لإنهاء الأزمة السورية بصورة منصفة لمطالب الشعب السوري، حتى قبل تحول الثورة السورية إلى العمل المسلح والتصدع الذي أصابت المعارضة السورية، وبروز جماعات مسلحة دينية متطرفة، ومن ثم ظهور ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ”داعش“ وتمدده على مساحات واسعة من الآراضي العراقية والسورية.

ولعل الشعرة التي قصمت ظهر بعير العلاقات الاستراتيجية الوثيقة بين الرياض وواشنطن هي  الاتفاق النووي الذي ابرمته الولايات المتحدة وأوروبا مع إيران من وراء ظهر المملكة ودون التنسيق معها أو حتى إطلاعها على الأمر.

 فالسعودية، الدولة القوية اقتصاديا وجغرافيا وديموغرافيا، والتي دخلت على خط زعامة العالم العربي سياسيا مع انتهاء دور العراق وسوريا وتراجع دور مصر، قررت الخروج على سياسة الصمت حيال ما يوصف بـ ”محور إيران الشيعي“ وقوس التدخلات وصناعة الأزمات التي تتهم الرياض طهران بافتعالها انطلاقا من العراق إلى سوريا ولبنان وإلى اليمن، وحتى داخل الأراضي السعودية عبر دعم إيران لما يصفه محللون سعوديون بخلايا إيران النائمة في المنطقة الشرقية من المملكة ذات أغلبية سكانية تتبع المذهب الشيعي، ففي عضون الأشهر التسعة الماضية أقدمت الرياض على أربع خطوات عملية لمجابهة ”قوس التدخلات الإيراني“ من جهة، وتراخي الدور الأميركي والشكوك حيال نوايا واشنطن من جهة أخرى. هذه الخطوات تمثلت في التالي:

الأولى: تشكيل تحالف دولي مكون من عشر دول، أُطلق عليه ”عاصفة الحزم ثم عاصفة إعادة الأمل“، بدا تدخلا عسكريا جويا في اليمن في السادس والعشرين من مارس 2015  ثم أُلحق بقوات على الأرض، وذلك لمنع سقوط هذا البلد في يد ”جماعة أنصار الله“ الحوثية الحليفة لإيران والمدعومة عسكريا وسياسيا منها، ولإعادة الشرعية ممثلة في حكومة الرئيس اليمني  عبد ربه منصور هادي.

الثانية: استضافة الرياض في الثامن من ديسمبر الماضي، وعلى نحو غير مسبوق، أكثر من مئة شخصية سورية معارضة، بما فيها شخصيات مقبولة من النظام السوري وشخصيات تنتمى إلى جماعات مسلحة، كانت مستبعدة من الجلوس على طاولة الحوار مع الائتلاف الوطني القوى الثورة والمعارضة.

وسعت الرياض من خلال هذا المؤتمر إلى ترميم التصدع والشروخ الكثيرة في جسد المعارضة السورية، وهي التي مكنت وما تزال نظام الرئيس بشار الأسد من البقاء على مدى سنوات الثورة الخمس. لكن الدبلوماسية السعودية، بجمعها، كل ألوان الطيف السوري المعارض، إنما تنقل بيدقا متقدما في رقعة المواجهة مع طهران، فالهدف الذي تؤكد عليه الرياض دوما أن لا حل للأزمة السورية إلا بخروج بشار الأسد من السلطة، وهو ما ترفضه إيران الظهير الأكبر للأسد إلى جوار روسيا.

الثالثة: تشكيل تحالف إسلامي يضم أربع وثلاثين دولة بهدف محاربة الإرهاب، على نحو أخص، محاربة ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ”داعش“. أعلن عن التحالف في الخامس عشر من ديسمبر 2015 ويتخذ من الرياض مقرا له، ويهدف، كما يبدو، لأن يكون بديلا فاعلا عن التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة ما يعرف بتنظيم الدولة.

الثالثة: الاتفاق على ضرورة تشكيل مجلس استراتيجي سعودي تركي يهدف إلى تعاون أمني وعسكري وسياسي واقتصادي بين البلدين. ولعل هذا المجلس السعودي التركي ينفخ في جمر ”الهلال السني“ الخامد في مواجهة ”الهلال الشيعي“ الأكثر حيوية، خصوصا بعد تمكن إيران  من النفوذ إلى العراق وتشكيل تحالفات مرتبطة بها منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

فهل تتمكن الرياض من محاصرة طهران عبر تحالف استراتيجي مع تركيا؟

يبدو السؤال مفتوحا على إجابات وتداعيات عديدة أخرى هو: ماذا عن موقف حلفاء الرياض العرب الآخرين من هذا التحالف ”مصر وبعض دول الخليج العربية|“ والذين يرون في تركيا الأردوغانية مشروعا إخوانيا لإعادة إحياء الخلافة العثمانية بكل ما تسدعيه، في ذاكرة العرب، تلك الخلافة، من صور هيمنة و احتلال واستلاب؟

وستقدم تحولات العام 2016، السياسية والاقتصادية المتوقعة، إجابات عن أسئلة عديدة تتعلق بأزمات المنطقة العربية؛ سوريا والعراق واليمن وداعش وأخواتها على وجه الخصوص، ولكن أيضا تتعلق بموقع قوى دولية وإقليمية في خارطة تحالفات المنطقة، كروسيا وتركيا وإيران، بحسب مراقبين نبهوا أيضاً إلى أن نهاية العام الجديد سيشهد خروج أول رئيس أميركي أسود من البيت الأبيض وربما دخول أول أمرأة إلى هذا البيت.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com