هل تملك السعودية بنية تنموية تحميها من الإفلاس؟

هل تملك السعودية بنية تنموية تحميها من الإفلاس؟

بعد موجة الغضب التي اجتاحت الأوساط الداخلية السعودية إزاء تصريحات رسمية تفيد بإقبال المملكة العربية السعودية على إفلاس محتمل إذا استمرت في سياساتها الاقتصادية الحالية، تناول الكثير من الكتاب والمفكرين الاقتصاديين السعوديين البنية الاقتصادية والتنموية بالدراسة والنقد للوقوف على صحة تلك التوقعات ومدى ملامستها للواقع والتخفيف من حدتها والتصدي لها.

وكان نائب وزير الاقتصاد والتخطيط، محمد التويجري، أطلق منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، تصريحات مثيرة للجدل عبر برنامج “الثامنة” في قناة “mbc”؛ قال فيها إن المملكة تتقدم نحو الإفلاس في غضون ثلاثة إلى أربعة أعوام إذا لم تتخذ من الإجراءات والحيطة ما ينقذها من الخطر القادم، ما أحدث سجالًا واسعًا في مواقع التواصل الاجتماعي.

وتضررت إيرادات السعودية، مؤخرًا، جراء هبوط أسعار الخام أكثر من النصف منذ 2014 إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل. وسجلت المملكة عجزًا قياسيًا في الموازنة بلغ 98 مليار دولار العام الماضي، ما خفض الإنفاق، وانعكس على قطاع المقاولات، بالإضافة إلى تعديل الدخل الشهري نتيجة خفض بدلات وعلاوات القطاع الحكومي، التي يرى محللون أنها تشكل حوالي 30% من دخل المواطنين العاملين بالقطاع الحكومي.

محاولات للتخفيف من وطأة التوقعات

واستهجن الكاتب أمين ساعاتي، في مقال نشرته صحيفة “الاقتصادية” السعودية، اليوم الأحد، آراء المحللين الاقتصاديين التي دعمت تصريحات التويجري؛ قائلًا إن “بعض المحللين الاقتصاديين قالوا إن إفلاس الدولة الحتمي بعد ثلاث سنوات! كلام غريب وعجيب ولا يستند إلى مبررات علمية أو موضوعية، ولذلك فإن ما توصلوا إليه وتقولوا به كلام مرسل ليس له سند علمي دقيق، ولا يدخل ضمن الاحتمالات الموضوعية التي يمكن حدوثها في المدى المنظور”.

ووضع الكاتب المملكة في مقارنة مع الأزمتَيْن الاقتصاديتَيْن اللتَيْن تشهدهما اليونان ومصر، إذ رأى أن “السعودية أبعد ما تكون عن هذه الأوضاع”.

وهو ما أيّده الكاتب سعود بن هاشم جليدان، في مقال تحت عنوان “المملكة من أبعد الدول عن شبح الإفلاس” اليوم الأحد، في الصحيفة ذاتها، إذ أكد على أن البيانات المالية للحكومة تظهر “أنها في وضع جيد ماليًا حتى لو استمرت على سياستها المالية السابقة، حيث بإمكان الحكومة الاستمرار في تحمل عجز مالي سنوي يصل إلى 300 مليار ريال لما لا يقل عن سبع سنوات وتظل في الوقت نفسه تتمتع بملاءة مالية مماثلة لدول العالم”.

وهذا ما أكد عليه الأستاذ الجامعي، رشود بن محمد الخريف، في مقال حمل عنوان “ما الهدف من التهويل غير المبرر؟” في الصحيفة ذاتها، اليوم الأحد، إذ اعتبر أن “المملكة تمكنت من استكمال البنية الأساسية الضرورية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والصناعية، لتكون قادرة على استقبال الاستثمارات الأجنبية وتحفيز الاستثمارات المحلية من خلال دعم المشروعات الرائدة التي تسهم في دعم الاقتصاد الوطني في مجالات الصناعة والتقنية والتعليم والخدمات”.

وتأتي تأكيدات الخريف للتهدئة من حدة المخاوف من احتمال نضوب النفط أو تدني أسعاره لدرجة تؤدي إلى إفلاس الدول الخليجية.

ويرى الكاتب إن التهويل غير المبرر من شأنه أن “يسهم في هجرة الأموال والعقول والاستثمارات، ويؤدي كذلك إلى تثبيط الهمم وإحباط الآمال والطموحات لدى المواطنين عمومًا والشباب خصوصًا، وفوق ذلك يحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية للمملكة”.

البحث عن بدائل للنفط

ويقول الخريف إنه من “المؤكد اقتصاديًا الحاجة الضرورية إلى تنويع مصادر الدخل في المملكة، والحد من الاعتماد على البترول أو الموارد الأولية، لذلك كان تنويع الموارد أحد أهداف خطط التنمية الثلاث الماضية، وكذلك فكرة الاقتصاد القائم على المعرفة، وفكرة استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وإنشاء المدن الاقتصادية، وفي الوقت نفسه اتجهت الدولة إلى بناء الإنسان من خلال التوسع في التعليم العالي والابتعاث وغيرهما”.

ويعتمد الاقتصاد السعودي بالدرجة الأولى على النفط، إذ تُعد المملكة أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، كما تمتلك أكثر من خمس الاحتياط النفطي في العالم، إلا أن قطاعات الاستثمار الأخرى لا تحظَ بقدر كبير من الرعاية الرسمية، في ظل وجود ثروات باطنية أخرى كالحديد والفوسفات والنحاس، ولم تستفد الخطط الحكومية من مصادر الطاقة البديلة، كالطاقة الشمسية إذ تملك السعودية مساحات شاسعة من الأراضي المعرضة لأفضل ساعات السطوع الشمسي.

السياحة الدينية

ويطالب سعوديون بتنظيم السياحة الدينية، عبر الاستفادة من الحج والعمرة بالطريقة المثلى، وتهيئة البنية التحتية القادرة على تطويرها؛ كإنشاء مطارات متقدمة، وتبني إجراءات سفر مرنة.

ويزور السعودية ملايين الحجاج والمعتمرين سنويًا، بهدف السياحة الدينية، التي تدر مليارات الدولارات.

محاربة الفساد

وختم الخريف مقاله بالمطالبة بالقضاء على الفساد؛ سواء في استغلال الموارد الطبيعية، أو الإنفاق العام.

وللمملكة تجربة مريرة في مكافحة الفساد، لم تأتِ أكلها بعد، في ظل تعثر الخطط الرسمية لمكافحة الفساد، وارتفاع حدة الانتقادات التي تطال الأجهزة الرقابية، الموسومة “بالترهل والوقوع في فخ البيروقراطية”.

ويرى سعوديون أن تلك الأجهزة فشلت في تحقيق الغاية المرجوة منها، ليغيب دور الرقابة الحكومية الفعلي في مكافحة الفساد في بعض المؤسسات.

وبتوجيه شخصي من العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود، أُسِّست الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (نزاهة) للتصدي للفساد المستشري في جسم الدولة، منذ حوالي أربعة أعوام، لتنفذ جولات ميدانية إلى الجهات الحكومية، وفي أكثر من مناسبة عبرت الهيئة عن عدم رضاها، عن تجاوب المؤسسات الحكومية معها، معتبرة أنها لا تصل إلى المستوى المطلوب، إذ تتجاهل الكثير من المؤسسات الحكومية، في كثير من الحالات، استفسارات “نزاهة”.

مؤامرة خارجية

واعتبر الكاتب أمين ساعاتي أن تصريح التويجري “يفتح شهية المتربصين بالمملكة ويحفز الإعلام المعادي على حياكة مزيد من الحملات على المملكة ومقدراتها المالية والتنموية، وهي فرصة للمؤسسات المالية المغرضة كي توظف هذا الخبر لنشر مزيد من عدم الثقة بالاقتصاد الوطني السعودي، وموقف محطة CNN من المملكة معروف. ولذلك جاء هذا الخبر فرصة لإعادة نشره ودعمه بالتشويهات والمبالغات التي تخرجه من موضوعه الحقيقي”.

ويضيف أن “الحديث عن قضية إفلاس المملكة من قبل إعلام معاد لا يعكس سوى تمنياتهم وهي أبعد ما تكون عن الحقائق الدامغة”.

رفع أسعار النفط هو الحل

بدوره؛ أكد الكاتب خالد الغنامي في مقال نشرته صحيفة “الشرق” السعودية، اليوم الأحد، تحت عنوان ” سعر البترول سيرتفع في 2017″ على أن “البنك العالمي ونسبة لا بأس بها من المحللين الاقتصاديين الكبار يتوقعون ارتفاعًا قويًا يرونه في الأفق مع بداية عام 2017 بنسبة 25 %. هذه بلا شك أخبار سعيدة لاقتصادنا. سيرتفع السعر لأن استهلاك النفط سيفوق الإنتاج مرة أخرى”.

ويقول الكاتب إن “من المتوقع أن يصل سعر البترول في 2017 إلى سعر 57 دولاراً للبرميل، وإذا استطعنا أن نجعل سعره في العقود الطويلة المقبلة يتراوح ما بين 60 إلى 70 دولارًا فسيكون هذا نجاحًا وإنجازًا كبيرًا لنا، في المملكة ودول الخليج. هذا السعر يكفينا تمامًا، هو رقم كاف لاستدامة التنمية وتغطية احتياجاتنا وتوفير رواتب موظفي الدولة، إنه رقم يكفي وزيادة”.

ويبدو أن آراء الكتاب السعوديين تعكس توجهًا جديدًا للحكومة السعودية لمعالجة الأزمة عبر تهدئة الساحة الداخلية والحد من التهويل، ومحاولة امتصاص الغضب الشعبي المستشري في مواقع التواصل الاجتماعي التي يتخذها الكثير من السعوديين منبرًا للتعبير عن آرائهم وبث هواجسهم.