انتقال قناة ”العرب“ إلى الدوحة يثير كثيرا من التساؤلات

انتقال قناة ”العرب“ إلى الدوحة يثير كثيرا من التساؤلات

المصدر: محرر الشؤون الخليجية ـ إرم نيوز

اختار مدير قناة العرب الإخبارية، الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، منتدى الجزيرة السنوي، الذي تنظمه شبكة الجزيرة الإعلامية القطرية، الذي عقد  الأسبوع الفائت، ليُعلن على هامشه عودة ”العرب“ إلى البث، ومن العاصمة الخليجية التي تحتضن قناة ”الجزيرة“، التي جاءت ”العرب“، كما قيل، لمنافستها، ومن أجل تشكيل ”خطاب إعلامي“ موازٍ لخطاب الجزيرة الذي طالما نُظر إليه بوصفه مخالفاً، إن لم يكن معارضًا لبعض سياسات المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربية، خصوصا مواقف هذه الدول من إسقاط حكم الاخوان المسلمين في مصر، واعتبار حركة الاخوان المسلمين المصرية، تنظيمًا إرهابيًا.

ولكن جمال خاشقجي، برر اختيار إدارة القناة للدوحة مقرا لها بـ“الأجواء الإعلامية المريحة“، التي تتمتع بها العاصمة القطرية، و“التسهيلات التي منحت لإدارة القناة“، وأيضا لأن القناة تريد أن تكون قريبة من ”أحداث المجتمع الخليجي والعربي“.

وأشار خاشقجي أيضا، إلى الدعم الكبير الذي حظيت به قناة العرب من قبل المسؤولين القطريين.

مبررات خاشقجي، لم تكن كافية للرد على كثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، التي تلت الإعلان عن عودة العرب إلى البث من الدوحة، وليس من ”قبرص“ أو ”لندن“ أو ”بيروت“ أو ”دبي“، وفقا لمعلومات كانت إدارة القناة تحدثت عنها سابقا.

فبعد وقف بث العرب من المنامة، أعلنت إدارة ”قناة العرب“ أن عودتها للبث ستكون، على الأرجح، من عاصمة أوروبية، وكانت العاصمة البريطانية هي بوصلة التكهنات، قبل أن تنتقل إلى ”قبرص“ بسبب مناخ الحريات الاعلامية الذي تتمتع بها هذه المدينة المتوسطية وبسبب قربها من العالم العربي، في حين رجحت تسريبات من بعض صحافيي قناة العرب، عن رغبة مالك القناة الأمير الوليد بن طلال، في أن تكون بيروت مقرا رئيسا لقناته، حيث العاصمة اللبنانية مقر العديد من شركاته العاملة في قطاع الميديا والانتاج الفني.

الإعلان عن عودة  قناة ”العرب الإخبارية“ للبث لم يكن مفاجئا، فالفضائية المملوكة للملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال، أبقت، بقرار من مالكها، على جميع صحافييها وفنييها وموظفيها البالغ عددهم 300 شخص، حيث التزمت بدفع مخصصاتهم المالية طوال الفترة التي تلت وقف بثها من المنامة، بعد ساعات من انطلاقته في الأول من فبراير 2015 بسبب ما اعتبرته السلطات البحرينية ”عدم التزام القائمين على المحطة بالأعراف السائدة في الدول الخليجية، ومنها الحياد في المواقف الاعلامية وعدم المساس بكل ما يؤثر سلبًا على روح الوحدة الخليجية وتوجهاتها“.

وليس مفاجئا أن يفي القائمون على قناة العرب الإخبارية بوعدهم بعودتها إلى الهواء، لكن المفاجئ في قرار العودة هو في مقر بثها الجديد: العاصمة القطرية الدوحة.

توصيف غير دقيق

ويرى صحافي عربي، يعمل في الدوحة، أن ما وصفه خاشقجي بالأجواء الاعلامية المريحة التي تتمتع بها العاصمة القطرية ليس دقيقاً، فقطر، حالها كحال باقي الدول العربية، تفرض الكثير من القيود على الإعلام الذي لا يلتزم بالخط السياسي للدولة القطرية، معتبرا أن قناة الجزيرة ”حالة خاصة جدا“، تمثل منصة سياسية لا إعلامية لقطر ولشبكة علاقات الدولة القطرية  بالغة التعقيد بدول ومنظمات تبدو على قدر كبير من التناقض، فالدوحة التي ترتبط بعلاقة وثيقة مع واشنطن، في الوقت ذاته على علاقة بتنظيم طالبان الأفغاني، وعلى ذات خط التناقض، ثمة نوع من العلاقة بين قطر وإسرائيل من جهة، وبمنظمة حماس من جهة أخرى.

وأخيرا، ومع عودة الدفء إلى علاقة الدوحة بالرياض، أبقت قطر دعمها، المباشر وغير المباشر، لحركة الإخوان المسلمين المصرية، التي تصنفها الرياض تنظيما إرهابيا.

في هذا السياق تتموضع شبكة الجزيرة بقنواتها المختلفة كحالة خاصة تتجاوز الإعلامي إلى السياسي وما وراءه.

ويعطي الصحافي العربي، مثالا آخر على استثنائية قناة الجزيرة من جهة، وعادية الأجواء الاعلامية في قطر مع مثيلاتها الدول العربية من جهة أخرى، بالقيود المفروضة على الفضائية القطرية وعلى محطة الريان الفضائية القطرية الأخرى، وعلى فضائية ”ليبيا الأحرار“ التي تبث من الدوحة أيضا.

ويبقى السؤال المتداول الآن في أوساط المشتغلين بالإعلام في قطر ودول الخليج: هل ستتمكن قناة العرب السعودية من البقاء خارج تجاذبات السياسة العربية وحالة تناقضاتها، التي تشكل الدوحة مركزها الأبرز؟

مخاطر محدقة

ويرى أحد الصحافيين العرب العاملين في قناة العرب الإخبارية، أن إدارة القناة تعلمت درسا بليغا مما حصل في البحرين، حيث أن اختبار المياه البحرانية لم يكن ناجحا، وبالتالي سيكون على إدارة التحرير في العرب التحرك بحذر بالغ حيال القضايا العربية الراهنة وفي مقدمتها مصر والبحرين والموقف من جماعة الاخوان المسلمين وحزب الله اللبناني، ففي الوقت الذي ستسعى فيه القناة، التي يديرها إعلامي محترف هو جمال خاشقجي، لأن تبدو محطة إعلامية إخبارية محايدة، سيكون عليها تجنب الخوض في كل ما قد يغضب الحكومة القطرية، كأن تصف جماعة الاخوان المسلمين بالجماعة الارهابية، وفي الوقت ذاته ستتجنب الخوض فيما يمكن أن يغضب الحكومة السعودية وحلفاءها الخليجيين الآخرين، كأن تقوم بتغطية متوازنة للحدث المصري، وخصوصا ما يوصف بالمحاكمات غير العادلة لنشطاء حقوقيين وسياسيين مصريين.

ويرى الصحافي العربي، الذي يعمل في العرب، أن الشأن المصري، على وجه الخصوص، سيشكل تحديا جديا أمام قناة العرب عند عودة بثها من الدوحة.

ووفقا لما يراه الصحافي العربي، فإن قناة العرب ستلجأ في تعبئة ساعات بثها اليومية، إلى الموضوع الاقتصادي الأقل حساسية من الموضوع السياسي، خصوصا وأن القناة لديها شراكة مع محطة بلومبرغ الاقتصادية الأميركية، التي تتخذ من نيويورك مقرا لها.

تفاهمات غامضة

وفي المقابل، يرى صحافي سعودي مطلع، أن اختيار العرب  الدوحة دون سواها من عواصم أوروبية أو عربية، يأتي على الأغلب ضمن حزمة ”مصالحة كاملة“ بين الدوحة والرياض من جهة، والدوحة ومحيطها الخليجي من جهة ثانية، وسيحمل، بين ما سيحمل من دلالات، سماح الدوحة لقناة العرب بالتعبير عن الخط الاعلامي والسياسي السعودي، وفي مقدمته انتقاد جماعة الاخوان المسلمين المصرية والدفع بخطاب مواجهة التطرف الديني في المنطقة، دون أن تتحمل الحكومة القطرية المسؤولية الأخلاقية عن ذلك.

ويرى الصحافي السعودي أن قطر، على الأرجح، هي من وجهت الدعوة لقناة العرب ووفرت لها الدعم المطلوب – كما صرح جمال خاشقجي – من أجل أن تبث من الأراضي القطرية، لأن هذا سيساعد الدوحة على فك ارتباطها، تدريجيا، بجماعات الإسلام السياسي المتطرفة وغير المتطرفة كمنظمة حماس الفلسطينية وجماعة الاخوان المسلمين المصرية وحزب النهضة التونسي.

ووفقا لرؤية الصحافي السعودي، فإن هنالك تحضيرا لتحولات سياسية وإعلامية تصالحية كبيرة في منطقة الخليج، ستكون الدوحة مركز انطلاقها، كما كانت مركز انطلاق تحولات إعلامية تصادمية منتصف تسعينات القرن الماضي، والتي تمثلت في إطلاق قناة الجزيرة وخطابها الإعلامي التصعيدي المعروف، آنذاك.

وإذا صحت هذه الرؤية، فهل يعني هذا أن الحكومة القطرية بصدد تفكيك امبراطوريتها الاعلامية الضاربة، شبكة الجزيرة وإعادة هيكلتها، بحيث تصبح مجرد جهاز إعلامي إخباري لا يشذ عن صف الاعلام الخليجي ذي الصبغة ”الليبرالية“ المعادي لكل ماهو متشدد وطائفي؟ خصوصا بعد موجة الإقالات التي شهدتها الجزيرة، وشملت نحو 500 من العاملين في الشبكة قبل خمسة أشهر، وقرار الشبكة إغلاق ”الجزيرة أميركا“.

تكامل أم تنافس؟

وبصرف النظر عما إذا كان قرار عودة قناة ”العرب“ الإخبارية للبث من الدوحة، هو قرار قطري أو قرار سعودي، وبصرف النظر ما إذا كانت الدوافع مهنية وموضوعية، كما أشار مدير العرب جمال خاشقجي، أم هي دوافع سياسية كما يشير مراقبون، فإن وجود قناة العرب إلى جوار قناة الجزيرة وعلى ذات الجغرافيا السياسية، يعني تحولا مهما في خارطة التحالفات الاعلامية والسياسية، ليس الخليجية الخليجية فحسب، ولكن الخليجية العربية أيضا.

ويبقى السؤال عن مدى التعاون، التكامل أو التنافس بين ”العرب“ و“الجزيرة“ خصوصا فيما يتعلق باستقطاب الأولى بعض صحافيي وإعلاميي الثانية، سيما وأن هنالك كثيرا من القلق بين صحافيي الجزيرة من إمكانية عودة موجة إقالات جديدة بهدف إعادة الهيكلة وترشيد الانفاق!

سؤال ينظر إليه الإعلاميون العرب العاملون في الدوحة، بخليط من التفاؤل والشك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة